دعوات لتقنين التداول في المغرب وسط تحذيرات من نزيف اقتصادي رقمي

الكاتب : انس شريد

12 July 2025 - 08:30
الخط :

في الوقت الذي تشهد فيه الأسواق المالية العالمية تحولات جذرية بفعل التقنيات الحديثة وانتشار العملات الرقمية، يتصاعد في المغرب النقاش حول ضرورة تقنين التداول، وسط ترقب أوساط اقتصادية واستثمارية لخطوة تنظيمية من شأنها أن تضع البلاد في مسار منسجم مع التوجهات العالمية وتتيح لها الاستفادة من فرص النمو الجديدة التي يتيحها هذا المجال الناشئ والمتسارع.

ويأتي هذا الترقب في سياق دولي مطبوع بتنظيمات صارمة ومبادرات تشريعية عديدة هدفت إلى إدماج الأصول الرقمية ضمن الاقتصاد الرسمي، من خلال فرض ضوابط قانونية وتقنية تضمن الشفافية وتحمي المستثمرين وتسد الطريق أمام الاستعمالات غير المشروعة.

وفي المغرب، تتزايد الدعوات لتسريع وتيرة التحرك في هذا الاتجاه، خاصة مع تنامي الإقبال على التداول من قبل شرائح واسعة من الشباب، وارتفاع حجم التعاملات عبر منصات دولية غير خاضعة للرقابة المحلية.

وفي هذا الإطار، دعا محمد صلوح، عضو المجلس الإداري لأكاديمية حزب الأصالة والمعاصرة ونائب رئيسة المجلس الوطني، إلى ضرورة إرساء إطار قانوني منظم للتداول داخل البلاد، مشيراً إلى أن هذا الإطار ينبغي أن يتماشى مع المعايير الدولية ويستند إلى واقع السوق المحلية، بما يسمح بتعزيز جاذبية الاقتصاد الوطني وتحقيق استفادة جماعية من دينامية السوق الرقمية.

وجاءت كلمة صلوح خلال ورشة تكوينية حملت عنوان "التداول في المغرب: التحديات والفرص"، ضمن فعاليات الدورة الثانية للجامعة الصيفية لحزب الأصالة والمعاصرة، حيث استعرض فيها مظاهر تزايد اهتمام الشباب المغربي بمجال التداول، مبرزاً أن المبادرة الوطنية "جيل 2030" كشفت عن تفاعل قوي مع هذا النشاط الاستثماري، خاصة في ظل التطور اللافت لوسائل التكنولوجيا المالية وسهولة الولوج إلى المنصات العالمية.

وأكد صلوح أن عدداً متزايداً من الشباب تمكنوا بالفعل من تحقيق مداخيل مالية معتبرة بفضل استثمارات ذكية في سوق التداول، وهو ما يعكس الإمكانيات الكبيرة لهذا القطاع إذا ما تم تنظيمه بشكل ملائم.

ولفت إلى أن التداول، باعتباره نشاطاً قائماً على شراء الأسهم بهدف تحقيق أرباح، بات يشكل أحد الأشكال العصرية للاستثمار الفردي، موضحاً أن بدايات هذا المجال تعود إلى الولايات المتحدة الأمريكية قبل أن يشهد توسعاً عالمياً ملحوظاً.

وبالرغم من توفر المغرب على بورصة مصنفة في المرتبة الثالثة على المستوى الإفريقي، سجل صلوح مفارقة لافتة تتجلى في لجوء العديد من المستثمرين الشباب إلى منصات تداول دولية، وهو ما يعزى – حسب تعبيره – إلى غياب آليات التسويق المواكبة في السوق المحلية، فضلاً عن ضعف التأطير المؤسساتي، مما يؤدي إلى خروج جزء من العوائد المالية نحو الخارج، وبالتالي حرمان الاقتصاد الوطني من فرص استقطاب عملة صعبة كان بالإمكان الاستفادة منها في إطار قانوني منظم.

واستعرض المتحدث خلال الورشة مجموعة من التقنيات والأساليب المتبعة في التداول، مشدداً على أن المجال يتطلب جهداً تكوينياً عميقاً، وتوفير فضاءات تأطير رسمية تضمن للمستثمرين، لا سيما منهم الشباب، خوض تجربة آمنة وفعالة تواكب طموحاتهم، وتحفزهم على الانخراط في الدورة الاقتصادية الوطنية بشكل مسؤول ومستدام.

ودعا صلوح إلى اعتماد مقاربة تشريعية متقدمة تُتيح تقنين التداول ضمن إطار مؤسساتي واضح، مبرزاً أن حزب الأصالة والمعاصرة، من موقعه داخل البرلمان، مستعد للقيام بدور قوة اقتراحية بهدف بلورة تصور قانوني يوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي وضرورات الحماية من المخاطر المرتبطة بالتداول غير المنظم.

من جهتهم، سبق أن حذّر عدد من الخبراء الاقتصاديين من أن تأخر المغرب في تنظيم التداول والعملات المشفرة قد يكلفه ثمناً باهظاً، سواء من حيث ضياع فرص استثمارية واعدة، أو بسبب عدم الاستفادة من العوائد الضريبية التي يمكن أن ترفد ميزانية الدولة.

وأكد هؤلاء الخبراء أن غياب التقنين قد يفتح الباب أمام أنشطة غير قانونية، من قبيل تبييض الأموال أو تمويل الإرهاب، ناهيك عن أشكال أخرى من الجرائم المالية العابرة للحدود.

وأشار الخبراء إلى أن تنظيم التداول لا يعني فقط فرض ضوابط صارمة، بل يجب أن يشمل كذلك تشجيع الابتكار المالي وتعزيز الثقة بين المستثمرين والمشرعين، في إطار شراكة متينة قوامها الشفافية والاستقرار.

وشددوا على أن المغرب، بما يمتلكه من كفاءات شابة وموقع استراتيجي، مؤهل لأن يتحول إلى مركز إقليمي في مجال التكنولوجيا المالية، شرط أن يتم وضع الأسس القانونية والإجرائية الكفيلة بتنظيم هذا القطاع وضمان نموه وفقاً لأفضل الممارسات العالمية.

وتبقى الكرة الآن في ملعب الجهات الوصية، التي مدعوة إلى ترجمة هذه التطلعات إلى خطوات عملية تعكس وعي المغرب بضرورة اللحاق بركب الثورة الرقمية المالية، وتُسهم في رسم ملامح منظومة تداول وطنية متقدمة، قادرة على مواكبة التحولات، وتحقيق التنمية المنشودة، والانخراط الفعّال في الاقتصاد الرقمي العالمي.

آخر الأخبار