الهواتف المهربة تدفع البرلمان للتحرك.. نزيف صامت يهدد الاقتصاد

الكاتب : انس شريد

18 يوليو 2025 - 11:50
الخط :

تواصل ظاهرة تهريب الهواتف الذكية إلى السوق الوطنية استفحالها بشكل يثير القلق، في ظل ما تسببه من انعكاسات وخيمة على الاقتصاد الوطني، وعلى مسار التنمية الرقمية التي تراهن عليها المملكة في السنوات الأخيرة.

فبعيدًا عن أروقة الجمارك والموانئ، تشق آلاف الهواتف المهربة طريقها نحو الأسواق المحلية، محدثة اختلالات بنيوية في منظومة التجارة، ومؤثرة بشكل مباشر على حقوق المستهلك، وعلى مداخيل الدولة، وعلى تنافسية الفاعلين الملتزمين بالقانون.

وتكشف المعطيات المتداولة داخل الأوساط المهنية والنيابية أن حجم الهواتف الذكية المهربة في السوق المغربية لم يعد هامشيًا، بل بات يؤثر بشكل مباشر على دورة الاقتصاد الرقمي.

ففي وقت تبذل فيه الدولة جهودًا حثيثة لتشجيع التحول الرقمي، وتعزيز الولوج إلى تكنولوجيا مؤمّنة تراعي المعايير التقنية والصحية والبيئية، يجد الموزعون الرسميون أنفسهم أمام منافسة غير شريفة مع أجهزة مجهولة المصدر، تُعرض في الأسواق بأثمنة مغرية، دون أن تمر عبر المساطر الجمركية والضريبية المعمول بها.

هذه الأجهزة، التي تدخل غالبًا عبر الموانئ والمطارات والمعابر البرية بطرق ملتوية، لا تلتزم في الغالب بالمعايير الوطنية المتعلقة بالجودة والسلامة، مما يجعلها تهديدًا مباشرًا للمستهلك، خصوصًا حين يتعلق الأمر ببطاريات أو شرائح معالجة لا تستجيب للمواصفات التقنية المعتمدة عالميًا.

البرلمان بدوره لم يقف مكتوف الأيدي أمام هذه الظاهرة المتفاقمة. فقد وجه النائب محمد التويمي بنجلون سؤالًا شفهيًا إلى وزارة الاقتصاد والمالية، دقّ فيه ناقوس الخطر بشأن تداعيات تهريب الهواتف الذكية على السوق الوطنية.

وأكد النائب البرلماني في معرض سؤاله، أن رقم معاملات الموزعين القانونيين تراجع بأكثر من 40% مقارنة بالعام الماضي، ما يهدد استمرارية عدد من المقاولات المشغلة لمئات الأجراء، ويؤثر بشكل سلبي على المداخيل الجبائية للدولة.

وأضاف أن استمرار هذه الوضعية قد يؤدي إلى فقدان الثقة في عدالة السوق لدى المستثمرين الوطنيين والدوليين، وتقويض المناخ العام للأعمال.

كما أشار النائب البرلماني ذاته إلى أن قطاع التوزيع المنظم يلعب دورًا محوريًا في دعم التحول الرقمي وتمكين المواطن من الولوج الآمن إلى التكنولوجيا الحديثة، عبر ضمان جودة المنتجات، واحترام الشروط البيئية، والمساهمة في تمويل خزينة الدولة عبر أداء الضرائب، والرسوم الجمركية، ورسوم التلفيف.

لكنه عاد ليحذر أن استمرار تهريب الأجهزة، وبيعها بأسعار غير خاضعة للضرائب، يؤدي إلى منافسة غير شريفة مع الفاعلين الملتزمين بالقانون، وضياع موارد مالية مهمة للدولة، وتفكيك البنية التنظيمية للسوق، بشكل يتعارض مع رؤية الحكومة في هيكلة السوق المغربية وتحقيق السيادة الرقمية.

وفي هذا السياق، تساءل البرلماني عن التدابير العملية التي تعتزم الحكومة اتخاذها لتشديد الرقابة على المنافذ الحدودية، وضبط سوق الهواتف الذكية بما ينسجم مع مقتضيات السيادة الرقمية.

كما دعا إلى التنسيق المستعجل مع مصالح الجمارك والوكالات التقنية المختصة لضمان تقنين دخول الأجهزة، وإلى إدراج حماية الموزعين الرسميين ضمن السياسات العمومية، أسوة بما يتم في قطاعات حيوية أخرى كصناعة السيارات والأدوية والأجهزة المنزلية.

ويحذر فاعلون في القطاع من أن استمرار هذه الظاهرة دون تدخل صارم سيعمق من هشاشة السوق ويعزز اقتصاد الظل، مؤكدين أن أي استراتيجية رقمية وطنية لن تنجح ما لم تُرفَق بإرادة سياسية حازمة لمحاربة التهريب، وتحقيق الإنصاف الضريبي، وهيكلة السوق وفق معايير عادلة ومستدامة.

آخر الأخبار