خرق دستوري في البرلمان.. المحكمة تُلغي فقرتين من نظام مجلس النواب
في خطوة تعكس استمرار المحكمة الدستورية في بسط رقابتها الصارمة على مضامين التشريعات والقواعد التنظيمية للمؤسسات الدستورية، أصدرت المحكمة الدستورية، بتاريخ 6 غشت 2025، قرارًا يقضي بعدم دستورية فقرتين من النظام الداخلي لمجلس النواب، بعد فحصها لمجموعة من التعديلات المعروضة عليها بموجب الإحالة التي تمت وفقًا لأحكام الفصل 132 من الدستور.
وقد حمل القرار رقم 256/25 و.ب، وجاء مفصلًا في مضمونه بين ما هو مطابق للدستور، وما وجب حذفه احترامًا للشرعية الدستورية.
وجاء القرار بعد دراسة دقيقة للتعديلات التي أدخلها مجلس النواب على نظامه الداخلي في جلسته العامة المنعقدة بتاريخ 8 يوليو 2025، والتي شملت أكثر من عشرين مادة.
ورغم إقرار المحكمة بدستورية غالبية هذه المواد، إلا أنها أسقطت الفقرة الأخيرة من المادة 254 والمقطع الأخير من المادة 298، معتبرة أنهما لا يحترمان المبادئ المؤطرة للعمل البرلماني المنصوص عليها في الدستور المغربي.
فيما يتعلق بالفقرة الأخيرة من المادة 254، فقد نصت على أن دراسة مشاريع القوانين القاضية بالمصادقة على المراسيم بقوانين تتم وفقًا للمسطرة التشريعية العادية المنصوص عليها في النظام الداخلي، وتحديدًا في المادتين 189 و201 منه.
إلا أن المحكمة الدستورية رأت أن هذا المقتضى يتعارض جوهريًا مع الفصل 81 من الدستور، الذي ينظم إصدار المراسيم بقوانين من طرف الحكومة خلال الفترات الفاصلة بين دورات البرلمان.
وبما أن المرسوم بقانون ليس قانونًا بالمعنى الكامل للكلمة، بل تدبير مؤقت ينتظر المصادقة البرلمانية، فإن محاولة إخضاعه لمسطرة تشريعية كاملة وتعديل محتواه داخل البرلمان تمثل خروجًا على القواعد الخاصة التي أقرها الدستور لهذا النوع من التشريعات.
بناءً عليه، رأت المحكمة أن هذه الفقرة تمنح البرلمان صلاحيات تتجاوز ما يسمح به الدستور، مما يجعلها غير مطابقة له.
أما بخصوص المقطع الأخير من المادة 298، فقد اعتُبر مخالفًا للدستور لأنه ينص على اشتراط الموافقة الكتابية لعضو مجلس النواب لنشر أجوبة الحكومة على الأسئلة الكتابية المتعلقة به في الجريدة الرسمية.
هذا المقتضى، حسب المحكمة، يمنح أعضاء البرلمان سلطة تقديرية في تقييد نشر معطيات قد تخص أطرافًا أخرى، ويقيد الحق في الوصول إلى المعلومة التي تعد من الحقوق الدستورية المكفولة.
وأضافت المحكمة أن استقلال المجلس في وضع نظامه الداخلي، كما تنص عليه الفقرة الأولى من الفصل 69 من الدستور، لا يمنحه صلاحية سن مقتضيات تمس بحقوق الغير دون سند دستوري صريح، ما يجعل هذا التقييد غير مبرر دستوريًا.
من جهة أخرى، اعتبرت المحكمة أن باقي مواد النظام الداخلي التي تم تعديلها لا تتعارض مع أحكام الدستور، مع توجيه ملاحظات خاصة لعدد منها، من بينها المواد 75، 137، 143، 163، 166 و395، التي دعت المحكمة إلى ضرورة مراعاة ملاحظاتها بشأنها في المستقبل.
أما باقي مقتضيات المواد المعدلة، خاصة الفقرة الأولى من المادة 254 والمقطعين الأول والثاني من المادة 298، بالإضافة إلى مواد أخرى سبق للمحكمة أن أبدت رأيها بشأنها، فلم تجد المحكمة موجبًا لإعادة فحصها، باعتبار أنها صرحت سابقًا بمطابقتها أو بعدم مخالفتها للدستور.
وفي ما يخص مسألة تناسق وتكامل النظامين الداخليين لمجلسي البرلمان، وهو مبدأ دستوري منصوص عليه في الفقرة الثانية من الفصل 69، أكدت المحكمة الدستورية أنها تحققت من احترام هذا المبدأ من خلال تبادل المراسلات بين رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين بخصوص التعديلات المدخلة، ما يدل على التزام المؤسسة البرلمانية بقواعد التناسق المؤسساتي المنصوص عليها دستوريًا.
وقد خلص القرار إلى أن النظام الداخلي المعدّل لمجلس النواب يمكن العمل به بعد حذف الفقرة الأخيرة من المادة 254 والمقطع الأخير من المادة 298، اللذين تم التصريح بعدم مطابقتهما للدستور.
قرار المحكمة الدستورية هذا يؤكد من جديد مركزيتها كضامن لاحترام الدستور، ليس فقط في القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية، بل كذلك في الأنظمة الداخلية التي تؤطر عمل المؤسسات الدستورية، وفي مقدمتها البرلمان.
كما يوجه رسالة واضحة بشأن حدود استقلال المؤسسات في سن قواعد تنظيمية داخلية، والتي يجب ألا تتجاوز المبادئ والضوابط التي يرسمها الدستور، خاصة عندما تكون تلك القواعد ذات أثر على الحقوق والحريات أو على العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.