الدار البيضاء.. المعارضة تحذر من تكرار مآسي الترحيل مع إطلاق "المحج الملكي"
بعد سنوات طويلة من الانتظار والتأجيل، عاد مشروع “المحج الملكي” إلى واجهة النقاش العمومي بالمغرب، بعدما صادق مجلس جماعة الدار البيضاء، خلال دورة استثنائية، على اتفاقية شراكة مع صندوق الإيداع والتدبير لإعادة إطلاق هذا الورش العمراني الكبير، الذي ظل حبيس الرفوف رغم رمزيته التاريخية ومكانته الاستراتيجية في مخطط إعادة هيكلة المدينة القديمة.
غير أن هذا المشروع، الذي يقدَّم على أنه فرصة لإعادة الاعتبار للعاصمة الاقتصادية ومنحها وجهاً حضرياً جديداً، يثير في المقابل تخوفات المعارضة من تكرار مآسي الترحيل، خاصة وأنه يمس مباشرة حياة آلاف الأسر والتجار والحرفيين.
المشروع الذي تعود فكرته الأولى إلى عهد الملك الراحل الحسن الثاني، يهدف إلى تحويل وسط الدار البيضاء إلى فضاء حضري متطور يجمع بين الطابع التقليدي والحداثة. وتشمل مكوناته إنشاء حدائق خضراء، وساحات عامة، ومبانٍ سكنية مستوحاة من الطراز المغربي، إلى جانب ترميم البنايات التاريخية وإعادة الاعتبار للأسواق الشعبية مثل سوق باب المراكش. كما يتضمن توسيع معرض الدار البيضاء الدولي وربطه بمسارات سياحية جديدة، ما من شأنه أن يجعل المدينة القديمة وجهة سياحية عالمية.
ونصت الاتفاقية المصادق عليها على تفويت الأصول العقارية المرتبطة بالمشروع من شركة “صوناداك” إلى جماعة الدار البيضاء دون مقابل، وإسناد مهام التنفيذ لشركة “الدار البيضاء للإسكان والتجهيز”.
وتشمل هذه المهام ملفات حساسة مثل إعادة إيواء الأسر، وتعويض المتضررين، وتحرير العقارات، وتنفيذ عمليات الهدم، مع تشييد حديقة حضرية كبرى ستكون متنفساً لسكان العاصمة الاقتصادية. كما تضمنت الاتفاقية تفويت عقارات أخرى ذات أهمية استراتيجية، من بينها سوق العيون، وسوق لقريعة، وأراضٍ بالنسيم وإيسلان، إضافة إلى وعاء عقاري على الكورنيش الجديد.
بالنسبة للأغلبية المسيرة للمجلس، فإن الأمر يتعلق بإنجاز تاريخي سيغيّر صورة الدار البيضاء، إذ أكدت العمدة نبيلة الرميلي أن المشروع سيعيد الاعتبار للمدينة القديمة وما جاورها، وسيمكّن من إطلاق مشاريع تنموية متكاملة بأحياء عانت طويلاً من الإقصاء العمراني، على غرار الحي المحمدي ودرب السلطان والحي الحسني.
وشددت الرميلي على أن الاتفاقية تمثل تتويجاً لمسار طويل من المشاورات بين مختلف الفاعلين، وأنها ستضمن إعادة إسكان الأسر في ظروف لائقة، خاصة بحي النسيم الذي سيخضع بدوره لعملية إعادة تأهيل شاملة.
غير أن المعارضة لم تُخف مخاوفها من التداعيات الاجتماعية لهذا الورش، حيث شدد عبد الصمد حيكر، رئيس فريق العدالة والتنمية بمجلس المدينة، على ضرورة تقديم توضيحات دقيقة بخصوص الكلفة المالية التي قُدّرت بنحو ملياري درهم، مع تحديد الاعتمادات المخصصة لنزع الملكية وإعادة الإسكان.
وأكد في مداخلته أن المشروع رغم أهميته لا يجب أن يتحول إلى سبب لمعاناة اجتماعية جديدة، قائلاً: “لا نريد أن نكرر مآسي الترحيل التي عرفتها المدينة القديمة في الماضي، بل نريد مشروعاً يحترم كرامة الأسر ويوفر مواكبة اجتماعية متكاملة”.
المعارضة طالبت أيضاً بحماية الأنشطة الاقتصادية القائمة، خصوصاً الحرفيين والتجار الذين يشكلون ركيزة أساسية في النسيج الاقتصادي المحلي من خلال توفير فرص الشغل وأداء الضرائب.
وحذر حيكر من أن أي إقصاء لهذه الفئة سيؤدي إلى خسائر اجتماعية واقتصادية، داعياً إلى تعويضهم وإنصافهم شأنهم شأن السكان، إضافة إلى إعداد دفاتر تحملات جديدة تراعي البعد الاجتماعي في السكن الاقتصادي.
كما شددت المعارضة على ضرورة تسريع وتيرة التجديد الحضري لضمان انسجام المجال الترابي وتفادي خلق فوارق مجالية جديدة بين الأحياء.
وأكدت أن نجاح المشروع لا يقاس فقط بجماليته العمرانية وضخامة استثماراته، بل بمدى قدرته على ترسيخ العدالة المجالية وتحقيق الإنصاف للساكنة.
من جانبها، اعتبرت الأغلبية أن المشروع يعكس الإرادة السياسية في استعادة ثقة المواطنين بقدرة المؤسسات على إنجاز أوراش كبرى بجودة عالية وفي آجال محددة.
وأوضح نائب العمدة عبد الصادق مرشد أن الاتفاقية تمثل “لحظة تاريخية”، مشيراً إلى أن المشروع يقوم على جدول زمني مضبوط يمتد لخمس سنوات، بما يضمن تفادي تعثرات سابقة.
وشدد على أن البعد الاجتماعي يشكل جوهر المشروع، من خلال توفير سكن لائق للأسر المتضررة، وإشراك مختلف المتدخلين في عملية التنفيذ.
ورغم الاختلاف في الرؤى، يجمع المراقبون على أن “المحج الملكي” يشكل واحداً من أبرز رهانات الدار البيضاء في أفق 2030، إذ يمكن أن يعيد رسم معالم المدينة ويجعلها أكثر جاذبية واستقطاباً.
غير أن التحدي الأكبر يظل في ضمان موازنة دقيقة بين الطموح العمراني والالتزام بالبعد الاجتماعي، حتى لا يتحول الحلم إلى مصدر معاناة جديدة للساكنة التي يراهن المشروع أصلاً على تحسين ظروف عيشها.