رهان تعزيز حضور النساء في البرلمان يطبع المشهد السياسي استعداداً لـ2026
يتواصل النقاش السياسي في المغرب حول تعزيز حضور النساء في الحياة العامة مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، في سياق يطغى عليه شبه إجماع وطني على أن ما تحقق منذ اعتماد آلية “الكوطا” الانتخابية ساهم في تحسين نسب التمثيلية، لكنه لم يحقق بعد الهدف الدستوري المتمثل في المناصفة الفعلية بين الجنسين.
فالأرقام المسجلة تكشف عن استمرار فجوة واضحة بين الطموحات المعلنة في الخطاب السياسي وبين ما يُترجم فعلياً داخل المؤسسات المنتخبة.
في هذا الإطار، شرعت التنظيمات النسائية التابعة للأحزاب السياسية في سلسلة لقاءات ومشاورات مع الأمناء العامين للأحزاب، سعياً منها إلى الدفع نحو إصلاحات انتخابية تُمكّن من رفع نسبة مشاركة النساء في البرلمان والهيئات المنتخبة.
وكان حزب الأصالة والمعاصرة من بين المستقبِلين لوفد نسائي يمثل عدداً من هذه التنظيمات، حيث ترأس اللقاء عضوا القيادة الجماعية للأمانة العامة المهدي بنسعيد وفاطمة سعدي، إلى جانب رئيسة المجلس الوطني نجوى ككوس، وبحضور رئيسة منظمة نساء الحزب قلوب فيطح.
وتمحور النقاش حول السبل الكفيلة بتحقيق نسبة الثلث كمرحلة أولية نحو المناصفة، عبر تقوية اللوائح الجهوية وتشجيع النساء على خوض المنافسة المباشرة.
وفي الاتجاه ذاته، احتضن حزب التقدم والاشتراكية لقاءً مشابهاً مع الوفد النسائي، برئاسة أمينه العام نبيل بنعبد الله. وشدد الحزب خلال هذا الاجتماع على ضرورة بلورة ميثاق أخلاقي يحدد التزامات واضحة للأحزاب تجاه المناصفة، إلى جانب تبني آليات عملية للرفع من التمثيلية النسائية.
أما حزب العدالة والتنمية، فقد استقبل بدوره الوفد النسائي بمقره المركزي برئاسة أمينه العام عبد الإله بن كيران، مؤكداً على أهمية مراجعة المنظومة الانتخابية بما يضمن مشاركة النساء في اللوائح الوطنية والمحلية، مع تشجيع الشباب على خوض غمار التنافس الانتخابي.
وبالموازاة مع هذه اللقاءات التشاورية، رفعت أحزاب سياسية مذكراتها الإصلاحية إلى وزارة الداخلية في إطار المشاورات حول المنظومة الانتخابية. فقد اقترح الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية تخصيص 132 مقعداً للنساء في مجلس النواب، إلى جانب إلزام الأحزاب بترشيح النساء في نصف الدوائر المحلية، ضماناً لمشاركتهن في التنافس المباشر، مع الدعوة إلى اعتماد لوائح إقليمية بدل الجهوية لتحقيق عدالة أكبر في توزيع المقاعد.
من جهته، ركز حزب التقدم والاشتراكية على ضرورة رفع عدد المقاعد المخصصة للنساء لتبلغ ثلث المجلس، مع فرض إلزامية ترؤس النساء أو الشباب للوائح انتخابية محلية، وربط الدعم العمومي للأحزاب بمدى التزامها بهذه المعايير.
كما اقترح آلية “الكوطا الطوعية” التي تشجع الأحزاب على تخصيص نسب أكبر من الترشيحات للنساء مقابل حوافز مالية إضافية.
أما حزب العدالة والتنمية فركز على تجويد شروط الترشح، مع الإبقاء على اللائحة الوطنية التي تضمن حضور النساء والشباب معاً، مع التوزيع العادل للتمثيلية بين الجهات.
في حين دعا حزب الاستقلال إلى توسيع نطاق التمييز الإيجابي ليشمل الجماعات الترابية والجهات، من خلال لوائح مشتركة للشباب والنساء على المستوى الجهوي، إضافة إلى تعديل القوانين التنظيمية للأحزاب لتكريس نسب دنيا من مشاركة النساء والشباب في أجهزتها القيادية، مع تخصيص برامج تكوين وتمويل لتأهيلهم لمهام التسيير السياسي.
هذه المبادرات والمذكرات المتعددة تكشف عن إدراك متنامٍ لدى الفاعلين السياسيين بضرورة تعزيز الحضور النسائي في مواقع القرار، باعتباره مدخلاً أساسياً لتحديث الممارسة السياسية وضمان توازن أكبر داخل المؤسسات المنتخبة. غير أن الرهان الحقيقي يظل مرتبطاً بمدى التزام الأحزاب بتحويل هذه التوصيات إلى ممارسة فعلية تنعكس على الترشيحات وصناديق الاقتراع، بعيداً عن منطق الشعارات الظرفية.
فالمناصفة الفعلية ما تزال بعيدة المنال، لكن النقاش الدائر اليوم قد يشكل خطوة مفصلية في مسار إعادة تشكيل الخريطة السياسية بما يجعل مشاركة النساء أكثر عدلاً وفاعلية في أفق الاستحقاقات المقبلة.