بعد عقود من الجمود والانتقادات التي وجهت لمؤسسة التعاون الوطني باعتبارها الذراع الاجتماعي الأقدم في المغرب، عادت هذه المؤسسة إلى واجهة النقاش العمومي مع إعلان وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، نعيمة ابن يحيى، عن مسار إصلاحي "مؤسساتي شامل" يطال بنيتها الإدارية ونظامها الأساسي.
إصلاح تأخر نصف قرن
إشارة الوزيرة جاءت من خلال ردها كتابيا على مراسلة للمستشار البرلماني لحسن نازهي، عن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أعاد إلى الأذهان واقع مؤسسة التعاون الوطني، التي لا يزال مستخدموها يخضعون لنظام أساسي يعود إلى سنة 1972، أي قبل أكثر من خمسين عاما، وهو ما جعل أوضاعهم الإدارية والمهنية بعيدة عن متطلبات المرحلة الحالية.
وبحسب الوزيرة، فإن مشروع النظام الأساسي الجديد أعد بعد جولة واسعة من المشاورات شملت النقابات وممثلي المجتمع المدني ووزارة المالية، وهو ما أسفر عن صياغة مشروعين متكاملين، الأول يخص الهيكلة التنظيمية والثاني النظام الأساسي للموظفين.
ولفتت الوزيرة إلى أن المشروعين تم بالفعل رفعهما إلى وزارة الاقتصاد والمالية في انتظار الاتفاق على الترتيبات القانونية والمالية للشروع في التنفيذ.
بين الأمس واليوم
مؤسسة التعاون الوطني ارتبط اسمها تاريخيا ببرامج الدعم الاجتماعي الموجهة للأيتام والأرامل والفئات الهشة.
في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي كانت تدير دور الطالب والطالبة، ودور المسنين، ومراكز محاربة الأمية. لكن خلال العقدين الأخيرين تراجع حضورها لصالح مؤسسات أحدث مثل وكالة التنمية الاجتماعية أو المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وهو ما جعلها في نظر كثيرين "تشتغل في الظل".
غير أن التحولات الاجتماعية، خاصة بعد جائحة كورونا وما كشفته من هشاشة واسعة، أعادت التأكيد على الحاجة إلى مؤسسة ذات خبرة ميدانية طويلة قادرة على مواكبة ورش الدولة الاجتماعية.
ابن يحيى شددت على أن إصلاح التعاون الوطني يأتي استجابة للتوجيهات الملكية الداعية إلى ترسيخ أسس الدولة الاجتماعية، وملاءمة المؤسسة مع أهداف النموذج التنموي الجديد 2035، إلى جانب التزامات البرنامج الحكومي (2021-2026).
وأكدت الوزارة أن الهيكلة الجديدة ستعقلن القرار الإداري وتيسر وصول الفئات الهشة إلى خدمات ذات جودة، بينما ستفعل عقود برامج قائمة على مؤشرات دقيقة وربط للمسؤولية بالمحاسبة.
مطالب متجددة
في أرشيف السنوات الأخيرة، لم يخل المشهد من احتجاجات موظفي التعاون الوطني المطالبين بتسوية أوضاعهم وتحسين ظروف عملهم.
في 2019 و2020، نظمت النقابات وقفات ومسيرات دعت فيها إلى مراجعة نظام 1972 الذي وصفته بـ"المتجاوز"، وإلى إخراج المؤسسة من حالة "التهميش المؤسساتي" مقارنة بقطاعات اجتماعية أخرى.
كما سبق للمجلس الأعلى للحسابات أن أوصى في تقاريره بضرورة إعادة النظر في حكامة المؤسسة وطرق تدبير ميزانيتها.
الإصلاح الجاري اليوم يبدو، وفق عدد من المتتبعين، استجابة متأخرة لتلك المطالب، لكنه يظل مرهونا بسرعة المصادقة والتنفيذ، وبإرادة سياسية لتمكين المؤسسة من الإمكانيات البشرية والمالية الكفيلة بالقيام بأدوارها.