جماعة بوعروس بتاونات، تهميش مزمن وصمت مقلق

الكاتب : الجريدة24

24 سبتمبر 2025 - 10:40
الخط :

العربي البقالي (حقوقي ونقابي)

يعاني إقليم تاونات من تهميش تنموي صارخ، ينعكس بشكل مؤلم على شبابه وساكنته، حيث تعد البطالة وغياب فرص الشغل أبرز العوامل التي تدفع الشباب إلى الهجرة القسرية، بحثا عن لقمة العيش، تاركين خلفهم أسرهم وبواديهم تواجه مصيرا ضبابيا دون أفق واضح.

وإذا كانت الصورة القاتمة تشمل الإقليم ككل، فإن جماعة بوعروس تمثل أحد النماذج الصارخة لهذا التهميش، إذ تبدو وكأنها خارج خريطة التنمية؛ لا بنية تحتية، ولا طرق، ولا حتى مشاريع قادرة على بعث الأمل في نفوس السكان. الجماعة تعيش عزلة شاملة، عنوانها غياب أدنى مقومات الحياة الكريمة، وسط تجاهل تام للواقع المأساوي الذي ترزح تحته منذ الاستقلال.

ويعزى جزء كبير من هذا الوضع إلى التقطيع الانتخابي غير المنصف، الذي لا يمنح ساكنة الجماعة فرصة إيصال صوتهم عبر نائب برلماني يعكس همومهم الحقيقية. في ظل هذا الوضع، تبقى المطالب بتعديل هذا التقطيع ضرورة ديمقراطية، خصوصا في ظل وجود أربع قبائل رئيسية بالإقليم: (جبالة، الحياينة، أولاد عليان، وأولاد رياب)، وهو ما يستدعي من وزارة الداخلية مراعاة العدالة المجالية والتمثيلية بين هذه المكونات، وفق منطق تكافؤ الفرص.

إن جماعة بوعروس، بحكم خصوصيتها الجغرافية والاجتماعية، تحتاج إلى تعاط تنموي خاص يراعي احتياجاتها الملحة،  وإلا فإن معاناتها ستظل مستمرة، والهوة بينها وبين مراكز القرار ستتسع أكثر، ما يعمق فقدان الثقة في مؤسسات الدولة.

إنصاف هذه الجماعة ليس صدقة سياسية، بل استحقاق تنموي ووطني، طال انتظاره.

وإذا كان رهان الدولة اليوم منصبّا على العدالة المجالية ومحاربة الفوارق الاجتماعية في إطار النموذج التنموي الجديد، فإن استمرار تهميش جماعة بوعروس والإبقاء على واقعها المنسي يعد خرقا لهذا التوجه ويطرح أكثر من علامة استفهام حول المعايير المعتمدة في برمجة المشاريع وتوزيع الميزانيات.

الساكنة هناك لم تعد تطالب بالكثير، بل بأبسط الحقوق: طرق معبدة، مؤسسات صحية وتعليمية لائقة، فرص شغل تحفظ كرامة الشباب، ومرافق اجتماعية تحمي الأسر من التهميش والحرمان، ومع كل محطة انتخابية، تتكرر الوعود دون أن ترى النور، مما رسخ شعورا عاما بأن الجماعة خارج حسابات الدولة.

ومن هنا، فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق السلطات المركزية والمنتخبة، لإعادة النظر في وضعية جماعة بوعروس ومثيلاتها، من خلال مقاربة إنصاف حقيقية تنطلق من الاعتراف بالمظلومية المجالية، وتترجم إلى قرارات سياسية وتنموية عاجلة.

إن بقاء جماعة بوعروس على هامش الوطن لعقود طويلة ليس مجرد صدفة، بل نتيجة سياسات وتقطيعات وتجاهل ممنهج. وتصحيح هذا المسار واجب وطني يقتضي إرادة حقيقية، لا مجرد شعارات موسمية.

فكرامة المواطن تبدأ من الإنصات لمعاناته، والتنمية الحقة لا تقبل التمييز بين المواطنين في حقوقهم الأساسية.

وفي هذا السياق، فإن إنصاف جماعة بوعروس لا ينبغي أن يظل مطلبا شعبيا فقط، بل يجب أن يتحوّل إلى أولوية في السياسات العمومية، عبر إدراج المنطقة في برامج التأهيل الترابي، وتوفير بنية تحتية قادرة على فك العزلة، خصوصا في ظل ما تزخر به من رأسمال بشري وطبيعي مهم يمكن أن يجعل منها نقطة إشعاع بدل أن تبقى مجرد هامش منسي.

كما أن الدولة، إذا أرادت أن تكرس فعلا مبدأ الجهوية المتقدمة والعدالة المجالية، فعليها أن تعيد النظر في التقطيع الانتخابي والإداري الذي حرم الساكنة من تمثيلية سياسية حقيقية تدافع عن قضاياهم وتوصل صوتهم إلى مراكز القرار.

إن جماعة بوعروس اليوم تختزل معاناة مناطق كثيرة بالمغرب العميق، مناطق لازالت تنتظر من يسمع أنينها ويؤمن بأن التنمية ليست صدقة، بل حق دستوري .

الرسالة واضحة: لا تنمية بدون إنصاف، ولا وطن يتقدم ونصفه يعيش في الظل.

وقد آن الأوان لأن تتحمل الجهات الوصية كامل مسؤوليتها، قبل أن يتحول الإحباط إلى قطيعة، ويصير الهامش قنبلة اجتماعية صامتة.

من عاجلة الأمور التي تستدعي التدخل الفوري في جماعة بوعروس بإقليم تاونات، يمكن الإشارة إلى ما يلي:

  1. فك العزلة عبر إصلاح وتعبيد الطرق التي تربط الجماعة بالمراكز الحضرية المجاورة، خاصة في ظل معاناة الساكنة أثناء التنقل للعلاج أو الدراسة أو قضاء المصالح الإدارية وهنا يجب الحديث عن الطريق الرابطة بين جماعة بوعروس والولجة مرورا بالعديد من الدواوير وكذلك. تأهيل الطريق الرابطة. بين بوععروس وحجرية والطريق الرابطة بين بوعروس والقرية.
  2. توفير المرافق الصحية الأساسية، لأن المركز صحي غير. مجهز و مستشفى محلي يدفع المرضى إلى التنقل لعشرات الكيلومترات، مما يعرض حياتهم للخطر.
  3. إحداث فرص شغل محلية لفائدة الشباب العاطل، عبر دعم المشاريع المدرة للدخل، والفلاحة التضامنية، وتوفير تكوينات مهنية تناسب خصوصية المنطقة مع أحداث الانعاش الوطني للأسر المعوزة
  4. تحسين البنية التحتية التعليمية وتجهيز المؤسسات المدرسية بما يليق بكرامة التلاميذ والمدرسين، وتفادي الهدر المدرسي الناتج عن ظروف التمدرس القاسية.
  5. ربط الجماعة بشبكات الماء والكهرباء والانترنت في جميع الدواوير، لأن غياب هذه الضروريات يكرس العزلة ويجهض أي محاولة للتنمية.

هذه بعض الخطوات المستعجلة التي لا تحتمل التسويف، إن كنا فعلا نطمح إلى مغرب الإنصاف والتوازن المجالي.

ان استمرار التهميش الذي تعانيه جماعة بوعروس بإقليم تاونات هو بمثابة إدانة صريحة لسياسات تنموية لم تفلح في شمول الجميع، وتركت وراءها مناطق كاملة خارج ركب التنمية. فلا يمكن الحديث عن مغرب الإنصاف وتكافؤ الفرص، ما دامت مناطق بأكملها تعيش في عزلة، وتحرم من أبسط مقومات الحياة الكريمة.

العدالة المجالية ليست ترفا سياسيا، بل التزام وطني وأخلاقي تجاه ساكنة لها نفس الحقوق وعليها نفس الواجبات. وإذا كانت الدولة عازمة فعلا على تجاوز مغرب النفعية المركزية، فعليها أن تبدأ من حيث الألم صامت، ومن حيث لا تصل الأضواء ولا تعبر الوعود.

فبوعروس، وغيرها من الجماعات المنسية، لا تطلب صدقات، بل فقط أن ينظر إليها كمكون من هذا الوطن، له الحق في التنمية، كما للآخرين.

آخر الأخبار