موجة انتقادات تعصف بوزير الصحة تحت قبة البرلمان
تعرض وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، مساء اليوم الأربعاء، لموجة قوية من الانتقادات داخل اجتماع لجنة القطاعات الاجتماعية بمجلس النواب، حيث وجدت الحكومة نفسها في مواجهة مباشرة مع أصوات برلمانية غاضبة من تردي الأوضاع الصحية وتصاعد موجة الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها مدن مغربية عدة خلال الأيام الأخيرة.
وخلال الاجتماع الذي انعقد بطلب من الفرق والمجموعة النيابية، صبّ النواب جام غضبهم على الوزير، محمّلين وزارته جزءا كبيرا من المسؤولية عن هشاشة المنظومة الصحية وضعف الخدمات الطبية في المستشفيات العمومية، وهو ما اعتبروه أحد الأسباب الرئيسية وراء خروج آلاف الشباب إلى الشوارع.
وشدد رشيد حموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية، في مداخلته على أن المطالب التي رفعها المحتجون في الوقفات الأخيرة "مشروعة دستوريا"، داعيا الحكومة إلى التعامل معها بروح منفتحة بدل اعتماد أسلوب التعنيف.
وأوضح أن الأزمة الصحية ليست معزولة عن باقي الأزمات الاجتماعية، لكنها تظل واجهة أساسية لانعدام الثقة في السياسات العمومية، مشيرا إلى أن تحذيرات فريقه المتكررة من الاختلالات لم تلق آذانا صاغية.
ومن جهته، اعتبر مصطفى الإبراهيمي، نائب رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، أن زيارات وزير الصحة لعدد من المستشفيات "لم تحقق أي أثر ملموس"، متهما الوزارة بالتأخر في الاستجابة للاحتقان الاجتماعي وعدم اتخاذ الإجراءات الحاسمة.
وانتقد البرلماني ما وصفه بـ"الأرقام الوهمية" التي تقدمها الوزارة بشأن التغطية الصحية وتوسيع العرض العلاجي، معتبرا أنها لا تعكس الواقع المتأزم الذي يعيشه المواطنون في مصالح المستعجلات وأقسام الولادة والمراكز الصحية القروية.
أمام هذا السيل من الانتقادات، بدا الوزير التهراوي حريصا على التوضيح بأن الأزمة الصحية في المغرب "مزمنة ومتراكمة منذ عقود"، مؤكدا أن الحكومة شرعت في تنفيذ إصلاحات شاملة تهدف إلى إعادة بناء المنظومة الصحية على أسس جديدة.
واستعرض في هذا السياق ما وصفه بأنه "أكبر ورش صحي في تاريخ المملكة"، يتمثل في تشييد سبعة مراكز استشفائية جامعية كبرى بطاقة استيعابية تفوق 3.500 سرير، موزعة على طنجة وأكادير والعيون والرباط وكلميم والراشيدية وبني ملال، مع برمجة آجال افتتاحها بين سنتي 2025 و2027.
وأشار الوزير أيضا إلى برنامج طموح لتأهيل 1.400 مركز صحي أولي يغطي 76 إقليما، موضحا أن 945 مركزا بات جاهزا و405 في طور الإنجاز و50 في مرحلة الدراسات.
واعتبر أن هذه المشاريع ستسهم في تقليص الفوارق المجالية وتخفيف الضغط عن كبريات المدن مثل الدار البيضاء والرباط، مبرزا أن "المستوصَفات القروية التي كانت في وضعية مزرية تحولت إلى فضاءات لائقة تقدم خدمات أساسية وتجهيزات حديثة".
وأكد التهراوي أن الإصلاح الجاري يستند إلى أربعة محاور رئيسية تشمل البنيات التحتية، والموارد البشرية، والحكامة، والرقمنة، مبرزا أن هذه الركائز تشكل خريطة طريق واضحة نحو بناء منظومة صحية أكثر عدلا وفعالية.
كما أقرّ بأن المطالب الاجتماعية التي يرفعها الشباب اليوم لا تقتصر على الصحة وحدها، لكنها تجعل من تحسين الخدمات العلاجية أولوية قصوى، داعيا إلى تعبئة جماعية لضمان نجاح هذا الورش الإصلاحي.
ويأتي هذا الاجتماع في سياق خاص يتزامن مع خروج مئات الشبان في احتجاجات سلمية متفرقة، قادها ناشطون من جيل جديد يعتمد على الفضاء الرقمي للتعبئة والتنظيم، بعيداً عن الأطر الحزبية والنقابية التقليدية.
وقد رفعت خلالها شعارات تطالب بالحق في الصحة والتعليم والشغل، إلى جانب محاربة الفساد وتحسين الخدمات العمومية.
لكن بعض هذه التحركات لم تخلُ من انزلاقات، كما وقع في مدن بجهة سوس ماسة وسلا ووجدة، حيث رافقتها أعمال شغب وتخريب طالت ممتلكات عمومية وخاصة.
وهو ما دفع السلطات الأمنية إلى التدخل لاحتواء الموقف، في وقت شددت فيه الحكومة على أن الاستجابة للمطالب المشروعة لا يمكن أن تتم إلا عبر بوابة الإصلاح الشامل، لا عبر حلول ظرفية أو ردود فعل آنية.
وبهذا الخطاب، حاول وزير الصحة أن يربط بين الاحتجاجات الاجتماعية والإصلاحات الصحية الجارية، مؤكدا أن الأزمة هي مسؤولية جماعية وأن تجاوزها يستدعي انخراط جميع الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين، حتى يتحول النقاش البرلماني إلى إجراءات عملية تلامس حياة المواطنين وتستجيب لانتظاراتهم.