سيدي البرنوصي تغلي على وقع شبهات استغلال مرافق عمومية وتضارب المصالح

الكاتب : انس شريد

30 أكتوبر 2025 - 10:00
الخط :

لا تزال مقاطعة سيدي البرنوصي بالعاصمة الاقتصادية للمملكة تعيش على وقع جدل واسع بعد تفجّر واحدة من أكثر القضايا المحلية إثارة خلال الفترة الأخيرة، إثر خروج النائب الأول لرئيس مجلس المقاطعة، عصام كمري، إلى العلن بمراسلة رسمية موجهة إلى وزير الداخلية، يكشف فيها معطيات وصفها بـ"الخطيرة" تتعلق بتنازع المصالح واستغلال النفوذ من طرف أحد المستشارين الجماعيين، في قضية تمس مباشرة بتدبير الشأن المحلي وعدداً من المرافق العمومية الحساسة.

المراسلة التي وُجهت إلى المفتشية العامة للإدارة الترابية والمديرية العامة للجماعات الترابية بالرباط، حملت موضوعاً يتعلق برصد حالة تنافي وتضارب مصالح لمستشار يجمع بين عضوية ثلاث هيئات منتخبة هي مقاطعة سيدي البرنوصي، ومجلس جماعة الدار البيضاء، ومجلس عمالة الدار البيضاء.

وأوضح النائب الأول للرئيس في مراسلته أن المستشار المعني يشغل أيضاً منصب رئيس لنادي الرشاد البرنوصي لكرة القدم، وهو النادي الذي يستفيد سنوياً من دعم مالي قدره سبعمائة ألف درهم في إطار اتفاقية شراكة مبرمة بين مجلس عمالة الدار البيضاء والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بهدف دعم وتنمية الرياضة التنافسية بتراب العمالة.

وأضافت المراسلة أن رئيس النادي المذكور تمكّن، بحكم موقعه الانتدابي وعلاقاته مع بعض رؤساء المجالس المنتخبة بالدار البيضاء وجهة الدار البيضاء سطات، من الحصول على امتيازات مالية إضافية، معتبرة أن الأمر يشكل تضارباً واضحاً للمصالح، خاصة وأنه عضو بمكتب مجلس العمالة الذي يُعد المانح الرئيسي للدعم المالي المذكور.

كما أبرزت الوثيقة أن المستشار ذاته يستغل الخزانة البلدية لسيدي البرنوصي كمقر للنادي الرياضي الذي يرأسه، رغم أن هذه المنشأة تُصنّف كمرفق ثقافي واجتماعي تابع لجماعة الدار البيضاء ولا علاقة لها بالأنشطة الرياضية أو باحتضان الجمعيات المحلية، وهو ما يشكل خرقاً لطبيعة المرفق العام ومهامه الأصلية.

وأشار النائب الأول للرئيس إلى أن هذا الاستغلال شمل أيضاً أجزاء كانت مخصصة لرياض الأطفال تابعة للمقاطعة نفسها، ما حرم عدداً من أطفال المنطقة، خاصة القاطنين بالأحياء الهشة، من فرصة متابعة دراستهم بالتعليم الأولي، في وقت ما فتئ جلالة الملك محمد السادس يؤكد على أهمية تعميم هذا النمط من التعليم ودعم بنياته الأساسية.

ووفق المراسلة ذاتها، فإن الترخيص باستغلال الخزانة البلدية كمقر للنادي الرياضي تم منحه من طرف الرئيس الحالي لمقاطعة سيدي البرنوصي، في خطوة اعتبرها كمري مخالفة صريحة للقانون وللتوجيهات التنظيمية المعتمدة على صعيد الجماعات الترابية.

كما جاء في نص المراسلة أن المستشار المعني يقوم باستغلال عدد من الملاعب الرياضية التابعة للمقاطعة، من بينها فضاءات القدس والمنصورية، عبر مدارس رياضية مفتوحة لجميع الفئات العمرية، وذلك خارج الإطار القانوني المنظم لاستعمال المرافق الجماعية، ودون الحصول على التراخيص الإدارية اللازمة أو أداء الرسوم الجبائية المقررة بموجب القرار الجبائي المصادق عليه من طرف جماعة الدار البيضاء.

وأشار كمري إلى أن غياب التأمين الإجباري وتأدية المستحقات القانونية يترتب عنه حرمان خزينة الدولة من مداخيل مالية مهمة، فضلاً عن تعطيل آلية تحصيل الديون العمومية، في وقت يؤدي فيه منخرطو النادي واجبات مالية سنوية للاستفادة من خدماته.

وأبرزت المراسلة أن النادي المذكور تم توطينه أيضاً داخل المركب الإداري لسيدي البرنوصي، وهو ما وصفه النائب الأول للرئيس بأنه “خرق سافر للقانون”، مذكّراً بأن المؤسسات العمومية الإدارية لا يمكن أن تحتضن أنشطة ذات طابع خاص أو جمعوي دون سند قانوني صريح.

وأشار النائب الأول للرئيس في ختام مراسلته إلى أن هذه الممارسات تتعارض كذلك مع الدوريات الوزارية التي أصدرتها وزارة الداخلية، وعلى رأسها الدورية رقم D1750 بتاريخ 14 يناير 2022 والدورية رقم D1854 الصادرة في 17 مارس من السنة نفسها، واللتان شددتا على ضرورة احترام مبادئ الشفافية والنزاهة في تدبير الشأن المحلي.

القضية التي فجّرها عصام كمري خلقت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط المحلية بالمنطقة، حيث عبّر عدد من المتابعين عن استغرابهم لما وصفوه بـ"صمت الجهات المسؤولة" تجاه ما يعتبرونه حالة واضحة من استغلال النفوذ وتنازع المصالح.

وتساءل الرأي العام المحلي عن الجهة التي سمحت للمستشار بالحصول على هذه الامتيازات، رغم أن مقتضيات الدستور المغربي في فصله 36 تحظر بشكل صريح أي شكل من أشكال تضارب المصالح.

وسبق أن أعلن النائب الأول عصام الكمري، مؤخرا، استقالته من منصبه احتجاجًا على ما وصفه بـ“تفشي الفساد ونهب وتبديد المال العام داخل مقاطعة سيدي البرنوصي”.

مؤكدا عبر حسابه على الفيسبوك، أن قراره يأتي بعد استنفاد جميع الوسائل القانونية والمؤسساتية لمحاربة ما اعتبره “تجاوزات خطيرة” تهدد مبدأ الشفافية وحسن التدبير.

كما قرر رئيس المقاطعة في وقت سابق إدراج نقطة إقالة نائبه ضمن جدول أعمال الدورة الاستثنائية المرتقبة في الحادي عشر من نونبر المقبل.

قرار الإقالة الذي وُصف بـ“المفاجئ” داخل أروقة المجلس، برّره رئيس المقاطعة بما قال إنه “تجاوزات خطيرة ارتكبها نائبه الأول في طريقة تسييره وتدبيره للتفويض الممنوح له”، مشيرًا إلى أن بعض القرارات التي اتخذها الأخير “لم تحترم المساطر القانونية المعمول بها، وأضرت بصورة المجلس وبسير المصالح الإدارية التابعة له”.

آخر الأخبار