المغرب ورهان إنهاء معضلة الكلاب الضالة قبل كأس العالم 2030
يشهد المغرب خلال السنوات الأخيرة نقاشا متصاعدا حول ظاهرة الكلاب الضالة، التي تحولت إلى واحدة من أبرز الإشكاليات ذات الأبعاد الصحية والاجتماعية والأمنية، في ظل تزايد الحوادث الناتجة عن هجماتها، وما تثيره من مخاوف لدى المواطنين، خاصة في المناطق الهامشية والنائية.
ومع اقتراب احتضان المملكة لنهائيات كأس العالم 2030، بات هذا الملف يحظى بأولوية ضمن السياسات العمومية، سعيا إلى تقديم صورة حضارية تعكس جهود البلاد في حماية الإنسان والحيوان على حد سواء.
في المدن الكبرى كما في القرى النائية، أصبحت الكلاب الضالة جزءاً من المشهد اليومي، تثير قلق الأسر وتحد من الإحساس بالأمان، خصوصا في الفترات الليلية.
وفي كثير من الأحياء الشعبية، بات الخروج بعد منتصف الليل مخاطرة حقيقية، إذ يفضل السكان تجنب التنقل خوفا من التعرض لهجوم مفاجئ، بل إن بعضهم أصبح يتفادى حتى أداء صلاة الفجر جماعة في المساجد القريبة، نتيجة الخشية من التجمعات الكبيرة لهذه الكلاب في الأزقة والشوارع الضيقة.
هذا الواقع المتفاقم دفع وزارة الداخلية إلى جعل الظاهرة ضمن أولوياتها، إذ كشف تقريرها حول منجزات السنة المالية 2025 عن تخصيص غلاف مالي مهم يقدر بـ40 مليون درهم لاقتناء مواد اللقاح والمصل المضاد لداء السعار، وذلك في إطار اتفاقية شراكة مع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية.
وتهدف هذه الخطوة إلى تقريب الخدمات العلاجية الوقائية من المواطنين، لا سيما في المناطق القروية التي تفتقر إلى مراكز متخصصة لمحاربة هذا الداء الخطير.
ووفق التقرير ذاته، فإن هذا التمويل سيمكن من تزويد 565 مركزا صحيا عبر مختلف جهات المملكة بالمواد الحيوية اللازمة للتلقيح والعلاج، في وقت تعمل فيه الوزارة على إرساء آلية وطنية جديدة للوجستيك المتعلق بتوزيع اللقاحات والأمصال، بغية تجاوز الصعوبات التي تواجه الجماعات الترابية في هذا المجال.
وفي سياق موازٍ، رصدت وزارة الداخلية مبلغا قدره 39 مليون درهم سنة 2025 لتقوية قدرات الجماعات في محاربة نواقل الأمراض، بما في ذلك الحشرات والجرذان، لما تشكله من تهديد مباشر على صحة الإنسان والحيوان.
كما خصصت الوزارة 10 ملايين درهم سنويا لفائدة الدرك الملكي، لتحمل تكاليف المعالجة الجوية لمناطق توالد البعوض، خاصة في المستنقعات والمناطق الوعرة، وذلك في إطار اتفاقية شراكة موقعة منذ سنة 2017 بين إدارة الدفاع الوطني ووزارة الداخلية.
وأشار التقرير إلى أن الكلاب والقطط الضالة تشكل خطرا متزايدا على الصحة العامة، إذ يؤدي داء السعار الناتج عن عضاتها إلى تسجيل ما بين 20 و30 حالة وفاة بشرية سنويا، إضافة إلى نحو 300 حالة بين الحيوانات، مما يجعل الظاهرة مسألة أمن صحي وطني تتطلب معالجة شاملة ومستدامة.
ولتطويق هذا التحدي، تعمل وزارة الداخلية على تفعيل اتفاقية الشراكة المبرمة مع قطاعي الفلاحة والصحة والهيئة الوطنية للأطباء البياطرة، باعتماد مقاربة جديدة تقوم على تعقيم الكلاب الضالة وتلقيحها ضد داء السعار، وترقيمها قبل إعادتها إلى بيئتها الأصلية، في محاولة لضمان توازن بيئي وعددي دون اللجوء إلى الإبادة أو الحلول العنيفة التي كانت محل انتقادات واسعة من الجمعيات الحقوقية والبيطرية.
وفي هذا الإطار، خصصت الوزارة غلافا ماليا إضافيا قدره 38 مليون درهم سنة 2025 لدعم الجماعات الترابية في بناء وتجهيز محاجز للحيوانات واقتناء المعدات وآليات الجمع.
وإلى حدود نهاية غشت الماضي، حسب تقرير وزارة الداخلية تمت برمجة أكثر من عشرين محجزا جديدا، بلغت نسبة تقدم الأشغال فيها 95 بالمئة في خمس مدن كبرى هي الدار البيضاء وطنجة ومراكش وأكادير ووجدة، فيما تراوحت النسبة بين 30 و50 بالمئة في مدن أخرى كإفران وسيدي سليمان، في حين حظيت مدن القنيطرة والرشيدية والخميسات ومديونة والداخلة والمضيق الفنيدق وسيدي قاسم بتمويلات مخصصة لإنجاز محاجز إضافية، بينما توجد أربعة مشاريع أخرى في طور الدراسة بكل من فاس وشيشاوة والفحص أنجرة وتارودانت.
وفي خطوة مبتكرة، أطلقت الوزارة تجربة المجمع البيطري المتنقل بمدينة القنيطرة، الذي يقدم خدمات متعددة تشمل التلقيح والعلاج والتعقيم والإيواء المؤقت للحيوانات الضالة، وهي تجربة نموذجية يتوقع تعميمها على باقي الجهات لما حققته من نتائج إيجابية ميدانيا.
وفي ظل الاستعدادات المتسارعة التي تشهدها المملكة لاستضافة كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، يبدو أن المغرب يسابق الزمن لإنهاء هذه المعضلة نهائيا، ليس فقط حفاظا على الصورة الجمالية للمدن المغربية أمام ملايين الزوار، ولكن أيضا لحماية المواطنين وضمان بيئة صحية وآمنة ومستدامة، تُترجم رؤية المملكة في الجمع بين التنمية والرفق بالحيوان.