غليان نقابي وشكايات متزايدة للمرضى تفاقم أزمة مستشفى ابن رشد بالدار البيضاء
في ظل تصاعد النقاش العمومي حول واقع المنظومة الصحية بالمغرب، عاد المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء إلى واجهة الاهتمام السياسي والنقابي والإعلامي، على خلفية شكايات متكررة تتعلق بتدهور الخدمات الصحية وظروف العمل، وما رافق ذلك من تحركات برلمانية واحتجاجات ميدانية للأطر الصحية العاملة بالمؤسسة، وهو ما أعاد طرح أسئلة جوهرية حول الحكامة، والموارد البشرية، وضمان الحقوق الدستورية داخل أحد أكبر المراكز الاستشفائية الجامعية بالمملكة.
ويعد المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد قبلة علاجية لآلاف المواطنات والمواطنين القادمين من مختلف جهات البلاد، بحكم طابعه الجامعي وتوفره على تخصصات طبية دقيقة، غير أن هذا الدور الاستراتيجي بات، بحسب عدد من الفاعلين، مهددا بفعل اختلالات بنيوية ووظيفية تمس بجوهر الحق في العلاج وجودة الخدمات المقدمة.
وفي هذا السياق، وجه عبد الصمد حيكر، النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية، سؤالا كتابيا إلى وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، سلط فيه الضوء على جملة من الشكايات التي توصل بها، والتي تصف أوضاع المركز بالحرجة.
وأشار النائب البرلماني إلى أن هذه الشكايات تتقاطع حول مظاهر متعددة، من بينها سوء استقبال المرضى ومرافقيهم وسوء معاملتهم من طرف بعض أعوان الحراسة وعدد من الأطر الإدارية والطبية وشبه الطبية، إضافة إلى ممارسات وُصفت بغير السليمة، تتجلى في تقديم وصفات طبية مرفقة بتوجيه المرضى إلى محلات أو شركات بعينها لاقتناء مستلزمات طبية وشبه طبية، رغم توفر هذه المستلزمات داخل المستشفى نفسه.
كما نبه إلى الخصاص الكبير في الموارد البشرية، خاصة في صفوف الأطباء والممرضين، وما يترتب عن ذلك من ضغط مهني واختلال في سير الخدمات.
ولم تغب البنية التحتية عن دائرة الانتقاد، حيث جرى الحديث عن تدهور عدد من المرافق وغياب فضاءات مناسبة لاستقبال المرتفقين وتوجيههم، إلى جانب ضعف التجهيزات، وهو ما اعتبره المشتكون مؤشرا على أزمة حكامة تتجاوز الأعطاب الظرفية.
وفي هذا الإطار، تساءل النائب البرلماني عما إذا كانت الوزارة قد أوفدت مهام تفتيش إلى المركز، وحول خلاصات تشخيصها للاختلالات المتكررة، وكذا عن التدابير العملية والبرنامج الزمني المزمع اعتماده لتصحيح الأوضاع بهذا المرفق الاستشفائي الوطني.
وبالتوازي مع ذلك، أثار عبد الصمد حيكر، من خلال سؤال كتابي ثان، موضوع ضمان الحق النقابي داخل المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد، مستندا إلى ما يكفله الدستور من ضمانات واضحة لممارسة الحقوق السياسية والنقابية.
وأشار إلى أن النقابة الديمقراطية للصحة، المؤسسة منذ سنة 2012، سبق لها أن دخلت في مراسلات رسمية مع إدارة المركز، غير أن ممثليها يشتكون، بحسب ما ورد في السؤال، من تضييق متزايد على ممارسة حقهم النقابي، ما يطرح إشكالية احترام الأعراف الإدارية والقانونية ذات الصلة بالحوار الاجتماعي داخل المؤسسات العمومية.
هذه التحركات البرلمانية جاءت في سياق احتقان اجتماعي غير مسبوق داخل المركز، حيث تعيش الأطر الصحية على وقع غليان متصاعد، تُرجم ميدانيا بخروجهم في وقفة احتجاجية، يوم الثلاثاء الماضي، للتعبير عن رفضهم للأوضاع المهنية والإدارية التي يشتغلون في ظلها.
ورفعت خلال الوقفة شعارات قوية تنتقد أسلوب تدبير الإدارة، وتتهمها بالتعنت وغياب التواصل، معتبرة أن ما يعيشه المركز لم يعد مجرد اختلالات عابرة، بل تحول إلى ما وصفه المحتجون بـ”الانهيار المؤسساتي الشامل نتيجة تدبير فاشل ولا مسؤول”.
وعبّرت الأطر المحتجة، المنضوية تحت لواء الجامعة الوطنية للصحة التابعة للاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، عن استيائها من غياب الحوار الجدي والمسؤول مع التمثيليات النقابية، معتبرة أن إدارة المستشفى تعتمد سياسة الإقصاء والاستهانة بالحوار الاجتماعي، في تعارض صريح مع مقتضيات الدستور ومبادئ التدبير الحديث للمرافق العمومية.
كما انتقد المحتجون ما اعتبروه احتقارا للأطر الصحية وضربا للأعراف الإدارية، وهو ما يزيد، حسب تعبيرهم، من حدة التوتر داخل مؤسسة يفترض أن تقوم على الاستقرار المهني والتنسيق المستمر لضمان جودة الخدمات الصحية.
ويطرح هذا الوضع المتأزم بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد تحديات كبرى أمام وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، سواء على مستوى الاستجابة للمطالب الاجتماعية للأطر الصحية، أو على مستوى معالجة الاختلالات البنيوية والتنظيمية التي تمس بحقوق المرضى وكرامة العاملين على حد سواء.
كما يعيد إلى الواجهة مطلب إرساء حكامة صحية فعالة تقوم على الشفافية، والمساءلة، واحترام الحقوق النقابية، باعتبارها ركائز أساسية لإصلاح المنظومة الصحية الوطنية وضمان استدامة خدماتها في واحد من أهم المراكز الاستشفائية بالمغرب.