هل فشلت السياسات العمومية في ضمان كرامة المرأة العاملة؟
لا تزال قضية المرأة العاملة في المغرب تطرح بإلحاح داخل النقاش العمومي، ليس فقط باعتبارها مطلبا حقوقيا أو شأنا فئويا، بل بوصفها مؤشرا حقيقيا على طبيعة الاختيارات التنموية والاجتماعية المعتمدة، وعلى مدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق العدالة والإنصاف داخل سوق الشغل.
فرغم تعدد الخطابات والشعارات المرفوعة، يكشف الواقع اليومي عن فجوة واضحة بين ما يُقال وما يُنجز، وعن استمرار اختلالات بنيوية تجعل آلاف النساء عرضة للهشاشة والتمييز وانعدام الحماية.
في هذا السياق، برزت مداخلات سياسية ونقابية متقاطعة خلال ندوة وطنية نظمتها مؤسسة الفقيه التطواني، لتعيد طرح سؤال “المرأة العاملة” من زوايا متعددة، وتكشف حجم الالتباس الذي يحيط بهذا المفهوم.
فقد اعتبرت القيادية في حزب الاستقلال والبرلمانية خديجة الزومي أن هذا المصطلح يُستعمل في الغالب بشكل تبسيطي ومثير، دون نقاش عميق يحدد معناه وحدوده، مشيرة إلى أن الخطاب السياسي والنقابي يوظفه كشعار جاهز، بينما يظل تعريف المرأة العاملة متأرجحا بين من تشتغل في وظيفة مؤدى عنها، وبين ملايين النساء اللواتي يقمن بأعمال منزلية ورعائية أساسية دون أي اعتراف اقتصادي أو اجتماعي بدورهن.
وسجلت الزومي أن بعض المقاربات تضع المرأة أمام نموذج مثالي غير واقعي، يطالبها بالنجاح المهني والحفاظ على التوازن الأسري والقيام بأدوار اجتماعية متعددة، في صورة أقرب إلى “المرأة الخارقة”، دون توفير الشروط الموضوعية التي تمكنها من ذلك.
واعتبرت أن هذا التناقض يعكس غياب رؤية شمولية مندمجة لقضايا النساء داخل السياسات العمومية، رغم التراكم التاريخي لمشاركة المرأة المغربية في العمل الوطني والسياسي منذ مرحلة الحركة الوطنية.
وفي تشخيصها لواقع الشغل، انتقدت المتحدثة ذاتها ضعف الحماية القانونية للنساء داخل أماكن العمل، معتبرة أن قانون محاربة العنف ضد النساء لم يرق إلى مستوى تطلعات الأجيرات، لعدم تضمينه آليات زجرية خاصة تراعي اختلال موازين القوة بين المشغل والعاملة، وهو ما يجعل عددا كبيرا من النساء عرضة للتحرش والابتزاز والضغط المهني.
كما نبهت إلى أن الحوار الاجتماعي غالبا ما يغفل خصوصية النساء العاملات، إذ تذوب مطالبهن داخل ملفات عامة تتعلق بالأجور والعطل، دون معالجة مباشرة للإكراهات المرتبطة بالأمومة والاستقرار المهني.
من جهتها، أكدت سعادة بوسيف، رئيسة منظمة نساء العدالة والتنمية، أن وضعية المرأة العاملة لم تعد مسألة تخص النساء وحدهن، بل تحولت إلى رهان وطني مرتبط بمستقبل التنمية والتماسك الاجتماعي.
وأبرزت أن المرأة المغربية تساهم بشكل محوري في الاقتصاد الوطني، سواء داخل الأسرة أو في مختلف القطاعات الإنتاجية، غير أن هذه المساهمة لا يقابلها اعتراف فعلي بحقوقها ولا حماية كافية لكرامتها، في ظل ضعف تفعيل مدونة الشغل واستمرار التمييز المرتبط بالأمومة والفوارق في الأجور.
وسجلت بوسيف أن الهشاشة تطبع أوضاع فئات واسعة من النساء، خاصة في القطاعات الفلاحية والاستغلاليات المرتبطة بالفواكه الحمراء، حيث تشتغل آلاف العاملات في ظروف قاسية، دون بنيات استقبال لأبنائهن، ما ينعكس سلبا على استقرار الأسر ومستقبل الأطفال.
واعتبرت أن هذه الاختلالات تفرض جعل قضايا النساء العاملات أولوية حقيقية داخل البرامج الحكومية، عبر مراجعة مدونة الشغل، وتعزيز الحماية الاجتماعية، ومحاربة كل أشكال التحرش والتمييز داخل أماكن العمل.
أما الوزيرة السابقة والقيادية في حزب التقدم والاشتراكية شرفات أفيلال، فقد وضعت النقاش في بعد اقتصادي أوسع، منتقدة المفارقة التي يعيشها المغرب بين ارتفاع حجم الاستثمارات وتزايد معدلات البطالة، خصوصا في صفوف النساء.
وأشارت إلى أن السياسات الموصوفة بالمحايدة في مجال التشغيل هي في الواقع سياسات غير منصفة، لأنها تتجاهل العراقيل البنيوية التي تواجه النساء، من إقصاء بسبب الزواج أو الأمومة، إلى غياب إدماج فعلي لمقاربة النوع داخل التخطيط الاقتصادي.
وأبرزت أفيلال أن التراجع المقلق في نسبة الساكنة النشيطة، واستمرار الترتيب المتأخر للمغرب في مؤشرات التمكين الاقتصادي للنساء، يعكسان خللا عميقا في النموذج التنموي، رغم التقدم المسجل في مجالات التعليم والصحة.
كما شددت على أن العمل غير المؤدى عنه، والعمل داخل القطاع غير المهيكل، يظل خارج دائرة الاعتراف، رغم مساهمته الكبيرة في استقرار المجتمع، معتبرة أن النساء يقمن بأدوار رعائية نيابة عن الدولة في غياب اقتصاد رعاية حقيقي.
واتفقت المتدخلات على أن تمكين المرأة العاملة لا يمكن أن يتحقق عبر الخطاب وحده، بل يستلزم إرادة سياسية واضحة وإجراءات عملية، من قبيل تعزيز تفتيش الشغل، وإحداث آليات قضائية متخصصة في نزاعات الشغل، وضمان المساواة في الأجر، وتوفير حضانات داخل مقرات العمل، وحماية فعلية مرتبطة بالأمومة دون المساس بالاستقرار المهني.
ويخلص هذا النقاش إلى أن وضعية المرأة العاملة تشكل مرآة حقيقية لمدى جدية الاختيارات التنموية، وأن استمرار إقصاء النساء من شروط العمل اللائق والحماية الاجتماعية لا يضر بهن فقط، بل يعيق تحقيق تنمية شاملة ومستدامة.