هل نجحت "أنابيك" في تقليص فجوة البطالة؟

الكاتب : انس شريد

09 فبراير 2026 - 06:30
الخط :

في ظل تصاعد النقاش العمومي حول سوق الشغل، تواصل الحكومة المغربية الترويج لمسار إصلاحي يستهدف تعزيز التشغيل وترسيخ العدالة الاجتماعية، غير أن هذا التوجه يواجه انتقادات متزايدة من قبل المعارضة التي تعتبر أن الإجراءات المتخذة ما تزال دون مستوى عمق الأزمة البنيوية التي يعاني منها سوق العمل، خاصة في ما يتعلق بالبطالة المستشرية في صفوف الشباب وحاملي الشهادات العليا.

وتشير المعطيات المتداولة في الأوساط الاقتصادية والاجتماعية إلى أن البطالة لم تعد مجرد مؤشر ظرفي، بل تحولت إلى إشكال هيكلي يهدد التوازن الاجتماعي، في ظل محدودية فرص الشغل وضعف قدرة الاقتصاد الوطني على استيعاب التدفقات السنوية للخريجين، وهو ما يفاقم الإحباط لدى فئات واسعة من الشباب ويطرح تساؤلات حول نجاعة السياسات العمومية المعتمدة.

وفي هذا السياق، كشف يونس السكوري، وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، أمام مجلس المستشارين، أن الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات تعجز سنويا عن تلبية أكثر من 100 ألف طلب شغل تتقدم به المقاولات المغربية، وهو رقم يعكس، بحسب الوزير، حجم الخلل القائم بين حاجيات سوق الشغل والكفاءات المتوفرة، ويُعلن عنه لأول مرة في هذا المستوى.

وأوضح المسؤول الحكومي أن “أنابيك” تؤمّن حاليا إدماج نحو 130 ألف مستفيد سنويا، مع رفع هذا الرقم إلى حوالي 150 ألف خلال السنة الجارية، وبرمجة بلوغ 200 ألف إدماج في إطار برامج التشغيل المختلفة. غير أن هذه الوتيرة، رغم أهميتها، تبقى غير كافية لتغطية الطلب الحقيقي للمقاولات، خاصة في قطاعات تعرف خصاصا حادا في اليد العاملة المؤهلة.

ويرجع الوزير هذا العجز إلى عوامل متعددة، أبرزها ضعف ملاءمة التكوين مع حاجيات السوق، وإشكالية الأجور المقترحة في بعض الجهات، التي لا تتناسب مع كلفة المعيشة أو طبيعة العمل، ما يقلل من إقبال طالبي الشغل على هذه المناصب، ويؤدي إلى بقاء آلاف فرص العمل غير مشغولة.

وفي محاولة لمعالجة هذا الوضع، أعلنت الحكومة عن توسيع برنامج “التدرج المهني” ليصل إلى حوالي 100 ألف مستفيد سنويا، إلى جانب اعتماد إجراء جديد يسمح للمقاولات بتشغيل شباب غير حاصلين على شهادات، وهو ما أفرز، حسب المعطيات الرسمية، نتائج إيجابية خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، خاصة في القطاعات المعتمدة على المهارات التطبيقية.

وعلى صعيد السياسات الاجتماعية الموازية، أبرز السكوري أن الحكومة وقّعت اتفاقات اجتماعية مهمة خلال السنوات الأربع الأخيرة، كان أبرزها اتفاق أبريل 2024، الذي تضمن زيادات في الأجور ومراجعة الضريبة على الدخل، إضافة إلى رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 25 في المائة في القطاعات غير الفلاحية و20 في المائة في الفلاحة بحلول 2026، مع تخصيص نحو 50 مليار درهم لدعم الموارد البشرية في التعليم والصحة.

وأوضح المسؤول الحكومي أن الدولة المغربية تعتمد مقاربة شمولية في تدبير الشأن الاجتماعي، تقوم على تقليص الفوارق المجالية وتحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية، مع إيلاء اهتمام خاص للفئات الهشة.

كما شدد على أن برامج الدعم الاجتماعي المباشر، التي أطلقت في إطار المبادرات الملكية، أصبحت واقعا ملموسا تستفيد منه ملايين الأسر في الوسطين الحضري والقروي.

وعلى مستوى الحوار الاجتماعي، أشار السكوري إلى أن الحكومة عملت خلال السنوات الأخيرة على مأسسة التفاوض مع الشركاء الاجتماعيين، ما أسفر عن توقيع اتفاقيات اجتماعية مهمة، كان أبرزها اتفاق أبريل 2024 الذي شمل زيادات في الأجور وإصلاحات ضريبية استهدفت تحسين القدرة الشرائية للطبقات الوسطى والفقيرة من الشغيلة.

وفي ما يخص القطاع الخاص، لفت الوزير إلى اعتماد إصلاحات همّت الحد الأدنى للأجور، حيث تقرر رفع الحد الأدنى للأجر في القطاعات غير الفلاحية والفلاحية بنسب مهمة في أفق 2026، إلى جانب تخصيص اعتمادات مالية غير مسبوقة لدعم الموارد البشرية في قطاعات حيوية كالتعليم والصحة، في خطوة تعكس، بحسبه، التزام الدولة بالعدالة الاجتماعية.

أما في ما يتعلق بالشباب، فقد كشف السكوري أن فئة الشباب غير المنخرطين في التعليم أو الشغل أو التكوين تشكل النسبة الأكبر من العاطلين، وهو ما دفع الحكومة إلى توسيع برامج الإدماج المهني والتدرج، مع التركيز على القطاعات ذات القدرة التشغيلية، إضافة إلى تنظيم العمل الموسمي بشراكة مع الفاعلين المؤسساتيين لضمان شروط عمل لائقة.

ورغم هذه المعطيات، يرى متابعون أن التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم البرامج أو الخطاب المعلن، بل في قدرتها على إحداث أثر ملموس ومستدام في سوق الشغل، معتبرين أن تجاوز الأزمة يقتضي إصلاحا هيكليا أعمق، يقوم على ربط التكوين بحاجيات الاقتصاد، وتحفيز الاستثمار المنتج، وتوسيع قاعدة التشغيل، بما يضمن للشباب المغربي أفقا اجتماعيا واقتصاديا أكثر استقرارا.

آخر الأخبار