أزمة "كتب الريادة" تعود للواجهة.. وتحرج الحمامة في توقيت انتخابي حساس
يجد الدخول المدرسي بالمغرب نفسه أمام إشكال جديد بعدما كشفت الأسابيع الأولى من الموسم الدراسي عن استمرار نقص في عدد من المقررات والكتب المدرسية داخل مجموعة من المكتبات، الأمر الذي أربك الأسر والكتبيين معا، وفتح نقاشا حول مدى جاهزية منظومة توزيع الكتاب المدرسي وقدرتها على مواكبة حاجيات التلاميذ في الوقت المناسب.
وتزداد حساسية هذا الوضع بالنظر إلى ارتباطه بمواد دراسية يفترض أن تكون متاحة منذ بداية السنة الدراسية، فضلاً عن تزامنه مع الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر الجاري.
وأصبح محمد سعد برادة، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، في قلب هذا النقاش، خصوصاً أن اختلالات توفير المقررات برزت في فترة سياسية دقيقة تتزامن مع تقديم الأحزاب لبرامجها ووعودها بشأن مستقبل المدرسة العمومية.
وبينما تترقب الأسر حلولاً سريعة تضع حداً لمشكل الكتب الناقصة، يجد القطاع الوصي نفسه مطالباً بتفسير أسباب استمرار الخصاص، وتحديد المسؤوليات داخل مختلف حلقات إنتاج وتوزيع المقرر الدراسي، بما يضمن ألا يتحول التأخر في توفير الكتب إلى عائق أمام السير العادي للدروس.
وفي هذا السياق، عادت رابطة الكتبيين بالمغرب إلى إثارة الملف، بعدما سجلت استمرار صعوبات في الحصول على عدد من مقررات التعليم الإعدادي والثانوي، إلى جانب كتب مرتبطة بمؤسسات "مدارس الريادة".
وتقول الرابطة إن عددا من المكتبات لا يزال غير قادر على تلبية طلبات الأسر والتلاميذ بسبب غياب عناوين مطلوبة، في وقت كان يفترض أن تكون عملية التزود قد استقرت مع مرور جزء مهم من الموسم الدراسي.
وتطرح هذه الوضعية أسئلة إضافية بعدما تداولت منصات التواصل الاجتماعي معطيات وصوراً تتحدث عن توفر بعض المقررات بكميات مهمة في نقاط بيع خارج شبكة المكتبات المهنية، في مقابل استمرار ندرتها في مكتبات أخرى.
وتعتبر الرابطة أن الأمر يحتاج إلى توضيحات رسمية تكشف حقيقة مسارات التوزيع، وتفسر أسباب التفاوت في توفر الكتب بين نقاط البيع، خصوصاً عندما يجد بعض الكتبيين أنفسهم عاجزين عن توفير مقررات يطلبها الزبناء رغم توفرها، وفق المعطيات المتداولة، في قنوات أخرى.
ولا تقتصر تداعيات الخصاص على الأسر والتلاميذ، بل تمتد إلى المهنيين العاملين في قطاع الكتاب، الذين يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع استفسارات وشكاوى الزبناء.
فالكتبي، باعتباره حلقة أساسية بين الناشر والأسرة والتلميذ، يتأثر تجارياً ومهنياً عندما لا يتمكن من توفير الكتب المطلوبة، كما يتحمل في كثير من الحالات تبعات وضع لا يرتبط بالضرورة بعملية البيع نفسها، وإنما بمراحل سابقة تتعلق بالطبع والتوزيع والتموين.
وتطالب الرابطة في هذا الإطار بإعادة تنظيم عملية تزويد المكتبات بالمقررات على أساس أكثر انتظاماً وعدالة، بما يسمح بتوفير العناوين المطلوبة في مختلف المناطق، وعدم ترك بعض المكتبات تحت ضغط الخصاص بينما تتوفر الكتب نفسها في قنوات أخرى.
كما تربط الرابطة معالجة الوضع بضمان حق التلميذ في الحصول على مقرراته في الوقت المناسب، باعتبار الكتاب المدرسي جزءاً أساسياً من الأدوات التي يعتمد عليها في متابعة مساره التعليمي.
ويأتي التصعيد الحالي امتداداً لتحركات مؤسساتية سابقة للكتبيين بشأن عدد من الإشكالات المرتبطة بالقطاع، حيث سبق للرابطة أن لجأت إلى مسارات قانونية ومؤسساتية لطرح مطالبها، من بينها التوجه إلى مؤسسة وسيط المملكة بعد تعثر التواصل بشأن بعض الملفات، فضلاً عن إثارة قضايا مرتبطة بتنظيم السوق لدى مجلس المنافسة، خصوصاً ما يتعلق بمقتضيات دفتر التحملات وهوامش الربح وانعكاساتها المحتملة على نشاط المكتبات المهنية.
وفي الوقت الذي يضغط فيه ملف المقررات على الوزارة الوصية، تدخل «مدارس الريادة» نفسها إلى قلب النقاش الانتخابي باعتبارها أحد أبرز المشاريع التي تختلف حولها التصورات الحزبية بشأن مستقبل المدرسة العمومية.
فالتجمع الوطني للأحرار يراهن على مواصلة النموذج وتوسيعه تدريجياً، ويضع ضمن برنامجه الانتخابي هدف تعميم مدارس وإعداديات الريادة في أفق 2028، قبل الانتقال إلى تعميم النموذج في الثانوي التأهيلي بحلول 2031، باعتباره مساراً يراد من خلاله تطوير التعلمات وتحسين أداء المؤسسات التعليمية.
وفي المقابل، يطرح حزب العدالة والتنمية تصورا مختلفا يقوم على تجاوز ما يعتبره تمييزاً بين مؤسسات تستفيد من نموذج الريادة ومؤسسات أخرى تواصل اشتغالها بالصيغة التقليدية، داعياً إلى مدرسة عمومية موحدة تستفيد فيها مختلف المؤسسات من شروط الجودة نفسها.
ويركز هذا التصور على معالجة الإشكالات العامة للمنظومة، بما يشمل الموارد البشرية والبنيات والتجهيزات وتكافؤ الفرص بين التلاميذ، بدل حصر الإصلاح في مؤسسات محددة.
أما الأصوات المنتمية إلى أحزاب يسارية ومعارضة، ومن بينها حزب التقدم والاشتراكية، فتدفع بدورها نحو توسيع زاوية النقاش لتشمل الاختلالات البنيوية التي تعاني منها المدرسة العمومية، مع التشديد على أن تحسين مؤشرات التعلم لا يمكن أن ينفصل عن توفير الأطر التعليمية والتجهيزات والظروف الملائمة للتمدرس في مختلف المناطق، وخاصة المؤسسات الموجودة في العالم القروي والمناطق الجبلية التي تواجه تحديات مرتبطة بالموارد والبنيات والخدمات المرافقة.
وهكذا يتقاطع مشكل الخصاص في الكتب المدرسية مع النقاش الأوسع حول مستقبل الإصلاح التعليمي في المغرب، في لحظة انتخابية تبحث فيها الأحزاب عن تقديم تصوراتها للسنوات المقبلة.
وبينما تنتظر الأسر تدخلاً عملياً يضمن توفير المقررات دون تأخير، يظل الكتبيون يطالبون بمعالجة الاختلالات التي يقولون إنها تؤثر في نشاطهم، في حين تحول "مدارس الريادة" إلى عنوان لخلاف أوسع حول طبيعة الإصلاح المطلوب للمدرسة العمومية، وحدود النموذج الحالي ومدى قابلية تعميمه على مختلف المؤسسات والتلاميذ.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، لم يعد ملف التعليم محصورا في البرامج والتعهدات الانتخابية، بل باتت تفاصيل الدخول المدرسي نفسه جزءاً من النقاش العمومي، من توفر الكتاب المدرسي إلى جودة التعلمات وظروف التمدرس.