قبيل رمضان.. الغلاء يعمّق الضغط ويعيد جدل الشفافية وهوامش الربح إلى الواجهة

الكاتب : انس شريد

13 فبراير 2026 - 08:30
الخط :

مع اقتراب شهر رمضان، تعود مسألة ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية إلى واجهة النقاش العمومي، في مشهد يتكرر سنويا لكنه يكتسي هذه المرة طابعا أكثر حدة في ظل استمرار الضغط على القدرة الشرائية للأسر.

فبينما يفترض أن يشكل هذا الشهر مناسبة للسكينة والتكافل، يجد عدد متزايد من المواطنين أنفسهم أمام معادلة صعبة عنوانها التوفيق بين متطلبات الاستهلاك المتزايد وواقع أسعار لا تبدو في متناول الجميع، خاصة بالنسبة لذوي الدخل المحدود والمتوسط.

في جولة داخل عدد من الأسواق، يلاحظ استمرار أسعار الخضر والفواكه واللحوم الحمراء عند مستويات مرتفعة، رغم التحسن النسبي في التساقطات المطرية خلال الأشهر الماضية، وما رافق ذلك من حديث رسمي عن تحسن في بعض المؤشرات المرتبطة بالإنتاج الفلاحي ووضعية القطيع الوطني.

هذا التباين بين المعطيات المعلنة والواقع المعيشي اليومي أعاد طرح أسئلة جوهرية حول مدى انعكاس التدابير المتخذة على الأسعار النهائية التي يتحملها المستهلك.

وأكدت مصادر مهنية بسوق الجملة للخضر والفواكه بالدار البيضاء لـ“الجريدة 24” أن اقتراب رمضان يشهد عادة ارتفاعا في الطلب على أصناف بعينها، ما ينعكس بشكل مباشر على الأسعار، غير أن هذه العوامل الموسمية، بحسبها، لا تفسر وحدها استمرار الغلاء في عدد من المواد.

وأشارت إلى وجود اختلالات في بعض حلقات التوزيع، وارتفاع هوامش الربح لدى وسطاء، إضافة إلى تأثير اضطرابات لوجستية عرفتها بعض المناطق نتيجة التساقطات المطرية التي صعّبت عمليات الجني والنقل في فترات معينة.

وفي مقابل الوضع الراهن، تتوقع فئات من الفاعلين المهنيين أن تعرف الأسعار مع بداية شهر رمضان المقبل منحى تنازلياً مهماً، تزامناً مع تحسن وتيرة الجني واستقرار الظروف المناخية، ما من شأنه أن يرفع حجم العرض ويخفف الضغط على الأسواق.

ويرى هؤلاء أن الأثر الإيجابي للتساقطات سيظهر بشكل أوضح خلال الأسابيع المقبلة، شريطة استقرار المسالك اللوجستية واستمرار تدفق المنتوجات نحو مراكز الاستهلاك.

وفي السياق ذاته، يرى فاعلون في مجال حماية المستهلك أن ارتفاع الأسعار قبل رمضان وأثناءه لم يعد مجرد سلوك موسمي عابر، بل يعكس إشكالات بنيوية في منظومة التسويق والتوزيع.

وأوضحوا لـ“الجريدة 24” أن تعدد حلقات الوساطة بين المنتج والمستهلك يسهم في تضخيم الأسعار، في ظل غياب شفافية كافية حول هوامش الربح الحقيقية عبر مختلف المراحل.

ودخل المرصد المغربي لحماية المستهلك بدوره على خط الجدل، معبرا في بلاغ له عن قلقه إزاء استمرار ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء، رغم ما تم الإعلان عنه من تحسن في وضعية القطيع الوطني.

واعتبر أن المنطق الاقتصادي يقتضي أن يؤدي تحسن العرض وتدخل الدولة بالدعم إلى تخفيف الضغط على الأسعار، لا إلى استمرارها في مستويات مرتفعة.

ودعا إلى فتح تحقيق جدي حول آليات تحديد الأسعار وتسقيفها، وتحديد هوامش الربح في مختلف مراحل السلسلة، مع تشديد المراقبة على الأسواق الأسبوعية ونقط البيع والتصدي لكل أشكال الاحتكار والمضاربة.

على الصعيد السياسي، عاد ملف الأسعار إلى قبة البرلمان، حيث عبّر عدد من النواب مؤخرا، عن تخوفهم من تأثير الغلاء على الاستقرار الاجتماعي، مطالبين بالكشف عن الإجراءات العملية الكفيلة بضبط السوق وحماية الأمن الغذائي للأسر.

ووجهت النائبة البرلمانية حياة لعرايش عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سؤالاً شفهياً إلى وزارة الاقتصاد والمالية، عبّرت فيه عن قلقها من تطور الأوضاع داخل الأسواق المغربية منذ مطلع سنة 2026.

وأكدت أن ما يجري لم يعد مجرد تذبذب عابر في الأسعار، بل تحول إلى تهديد مباشر للقدرة الشرائية للأسر، في ظل تواصل موجة الغلاء في أسعار الخضر والفواكه خلال الأسابيع الأخيرة، وبلوغها مستويات غير مسبوقة بالتزامن مع العد التنازلي لشهر رمضان.

وأشارت النائبة البرلمانية إلى أن هذا الوضع دفع فئات واسعة من الطبقات المتوسطة والهشة إلى إعادة ترتيب أولوياتها الغذائية، في ظل ما وصفته بالمعادلة الصعبة التي يعيشها المواطن المغربي بين متطلبات الحاجة اليومية وضغط الغلاء المتزايد.

كما نبهت إلى أن التجربة التاريخية تفيد بأن الأسعار تميل إلى الارتفاع مع زيادة الطلب خلال شهر رمضان، ما يفاقم المخاوف المرتبطة بالمواد الحيوية التي تشكل أعمدة المائدة الرمضانية المغربية، من قبيل الطماطم والبيض والقطاني والبصل.

في المحصلة، يطرح ارتفاع الأسعار قبيل رمضان أسئلة عميقة حول فعالية آليات الضبط والمراقبة، ومدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق التوازن بين مصالح المنتجين والتجار وحماية المستهلك.

وبين التفسيرات المرتبطة بالكلفة والإنتاج، والاتهامات الموجهة لبعض الوسطاء بالمضاربة، يبقى التحدي الأساسي هو ضمان ولوج الأسر المغربية إلى المواد الأساسية بأسعار معقولة، وصون قدرتها الشرائية في ظرفية اقتصادية واجتماعية تتسم بحساسية متزايدة.

آخر الأخبار