بين المعايير القانونية ومطالب الساكنة.. لماذا لم تصنف بعض أقاليم المملكة مناطق منكوبة؟

الكاتب : انس شريد

16 فبراير 2026 - 06:30
الخط :

أثار قرار الحكومة الحالية، بتوجيهات من جلالة الملك محمد السادس، إعلان أقاليم العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان مناطق منكوبة جراء الفيضانات الأخيرة، موجة ارتياح واسعة في صفوف الساكنة المتضررة، بعدما فتح هذا التصنيف الباب أمام تفعيل آليات الدعم والتعويض وإعادة التأهيل وفق المساطر القانونية المعمول بها.

غير أن القرار نفسه أطلق في المقابل نقاشاً سياسياً ومجتمعياً متصاعداً في أقاليم تاونات وشفشاون وتازة والحسيمة، حيث عبر فاعلون محليون ومنتخبون وسكان عن استغرابهم مما وصفوه بعدم إدراج أقاليمهم ضمن اللائحة المعلنة، رغم ما خلفته السيول من خسائر مادية وأضرار في البنيات التحتية والمساكن والضيعات الفلاحية.

وخلال الأيام التي تلت الإعلان الرسمي، تصاعدت دعوات مدنية وسياسية مطالبة بتوسيع نطاق التصنيف ليشمل الأقاليم غير المعلنة، معتبرة أن مبدأ العدالة المجالية يقتضي تمكين جميع المناطق المتضررة من الاستفادة من برامج إعادة التأهيل والدعم المالي المخصص للأسر المتضررة.

كما بادرت فرق برلمانية من صفوف المعارضة إلى توجيه أسئلة كتابية إلى الحكومة تستفسر فيها عن المعايير المعتمدة في تحديد المناطق المنكوبة، وعن أسباب استثناء بعض الأقاليم رغم تسجيل أضرار جسيمة بها، داعية إلى تمكينها من الاستفادة من برنامج إعادة تأهيل البنيات التحتية والمساكن، وكذا من التعويضات التي يقرها صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية.

في خضم هذا الجدل، قدم وزير التجهيز والماء والأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، خلال حلوله ضيفا على برنامج “ديكريبتاج”، أمس الأحد، والذي تبثه إذاعة “MFM”، توضيحات اعتبر فيها أن المسألة تخضع لمعايير تقنية وقانونية دقيقة ينص عليها القانون رقم 110.14 المتعلق بإحداث نظام لتغطية عواقب الوقائع الكارثية، مؤكدا أن قرار الإعلان يتم بناء على شروط مضبوطة يحددها المرسوم التطبيقي للقانون.

وأبرز في أن من بين هذه الشروط استمرار الواقعة لمدة زمنية محددة تصل إلى 504 ساعات في حالة الفيضانات، وهو معيار يرتبط بأنظمة التأمين الدولية وبآليات اشتغال صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية.

وشدد المسؤول الحكومي على أن عدم استيفاء هذه الشروط في أقاليم تاونات وشفشاون وتازة والحسيمة حال دون تصنيفها كمناطق منكوبة بالمعنى القانوني الدقيق، مضيفاً أن هذا المعطى لا يعني بأي حال من الأحوال حرمانها من الدعم أو تركها لمواجهة تداعيات الفيضانات بمفردها.

وأوضح أن الحكومة تشتغل، تنفيذاً للتوجيهات الملكية، على برنامج واسع لإعادة تأهيل البنيات التحتية المتضررة يتجاوز من حيث نطاقه الجغرافي مفهوم “المناطق المنكوبة” كما هو معرف قانونا، ويركز على إعادة البناء وفق معايير أكثر صرامة تأخذ بعين الاعتبار التحولات المناخية المتسارعة.

وفي هذا السياق، كشف الوزير عن برمجة مشاريع استعجالية لتأهيل عدد من المحاور الطرقية الحيوية، من بينها الطريق الوطنية رقم 2 الرابطة بين باب تازة وباب برد بإقليم شفشاون، والطريق الجهوية رقم 414 بالإقليم نفسه، والطريق الوطنية رقم 8 بإقليم الحسيمة، والطريق الوطنية رقم 13 الرابطة بين وزان وشفشاون، إضافة إلى إصلاح 164 مقطعاً طرقياً تضررت بفعل السيول الجارفة في أقاليم الشمال والشرق.

وأكد أن هذه الأشغال لن تقتصر على إصلاح الأضرار الظرفية، بل ستعتمد مقاربة استباقية تقوم على رفع علو الطرق عن مجاري المياه وتشييد قناطر جديدة لضمان انسيابية حركة السير وتقليص مخاطر الانقطاع مستقبلاً.

وفي هذا الإطار، اعتبر وزير التجهيز أن الاستثمارات المرتقبة، رغم كلفتها المرتفعة، تظل ضرورية لتحصين الشبكة الطرقية والمنشآت الفنية ضد المخاطر المستقبلية، مؤكدا أن الرهان لا ينحصر في معالجة آثار الكارثة الحالية، بل يتعداه إلى بناء قدرة أكبر على الصمود في مواجهة تقلبات مناخية أكثر تواتراً وشدة.

وكان جلالة الملك محمد السادس، قد أعطى تعليماته إلى الحكومة من أجل “وضع برنامج واسع النطاق للمساعدة والدعم لفائدة الأسر والساكنة المتضررة، واتخاذ الإجراءات التنظيمية اللازمة في مثل هذه الظروف”.

وذكر بلاغ لرئاسة الحكومة أن رئيس الحكومة أصدر، في هذا الإطار، قرارا يعلن بموجبه هذه الاضطرابات حالة كارثة، ويصنّف جماعات الأقاليم الأربعة: العرائش، والقنيطرة، وسيدي قاسم، وسيدي سليمان، الأكثر تضررا، مناطق منكوبة.

وبحسب المصدر ذاته، فقد وضعت الحكومة، في هذا الصدد، برنامجا للمساعدة والدعم، بميزانية توقعية تبلغ ثلاثة ملايير درهم، جرى إعداده بناء على تقييم دقيق ومعمق للوضع الميداني، وكذا على دراسة متأنية للتداعيات الاقتصادية والاجتماعية لهذه الاضطرابات الجوية.

آخر الأخبار