تفويتات مثيرة للبقع الأرضية تشعل الجدل السياسي بالدار البيضاء
في خضم النقاشات المتصاعدة التي تعرفها الساحة السياسية بمدينة الدار البيضاء، عاد ملف تدبير البقع الأرضية التابعة للجماعة إلى الواجهة، مثيرًا موجة واسعة من الجدل داخل أوساط المنتخبين والمتتبعين للشأن المحلي، في سياق يتسم بحساسية كبيرة بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالمال العام وبمستقبل المشاريع التنموية المبرمجة داخل العاصمة الاقتصادية.
هذا النقاش لم يعد يقتصر على كونه اختلافًا في وجهات النظر حول أرقام ومعطيات تقنية، بل تحول إلى مساءلة سياسية واضحة لطرق تدبير الرصيد العقاري الجماعي، خاصة بعد أن أعاد فريق حزب العدالة والتنمية طرح الملف خلال ندوة صحفية، اليوم الاثنين، مؤكدا أن المعطيات المتوفرة تطرح أكثر من علامة استفهام حول احترام المساطر القانونية ومعايير الحكامة الجيدة.
وتأتي هذه التطورات في وقت يعلن فيه المجلس الجماعي عزمه تعبئة أوعية عقارية لاحتضان مشاريع مهيكلة في مجالات النقل والبنيات التحتية والمرافق الاجتماعية، ما يجعل أي شبهة سوء تدبير أو تضارب في المصالح مسألة بالغة الخطورة، لما لها من انعكاسات مباشرة على مصداقية المؤسسة المنتخبة وثقة المواطنين في قراراتها.
وكشف المستشار الجماعي مصطفى الحيا عن معطيات وصفها بالمقلقة، تتعلق بقطعتين أرضيتين بمنطقة الوازيس داخل مقاطعة المعاريف، تم اقتناؤهما في فترات سابقة بثمن لا يتجاوز 30 درهمًا للمتر المربع، في إطار مشاريع ذات منفعة عامة، غير أن جزءًا من هذه الأراضي، حسب المعطيات المقدمة، لم يتم استغلاله للغرض الذي اقتني من أجله.
وأوضح عضو العدالة والتنمية، أن المالك الأصلي تقدم بطلب رسمي لاسترجاع الجزء غير المستغل، غير أن الجماعة حددت ثمن إعادة التفويت في حوالي 31 ألفًا و500 درهم للمتر المربع، وهو رقم اعتبره المتحدث صادمًا ولا يستند إلى منطق اقتصادي أو قانوني واضح، خاصة إذا ما قورن بثمن الاقتناء الأصلي الذي لا يتجاوز بضع عشرات من الدراهم.
وأضاف أن المعني بالأمر اضطر إلى توجيه رسالة استعطافية يطالب فيها بإعادة النظر في هذا الثمن، قبل أن تقترح الجماعة تخفيضه إلى 500 درهم للمتر المربع، وهو ما اعتبره إجراءً شكليًا لا يرقى إلى مستوى معالجة الاختلال، ولا يعكس إرادة حقيقية في تصحيح المسار أو إنصاف المتضرر.
وفي السياق ذاته، تم الكشف عن حالة ثانية تخص قطعتين أرضيتين بمحاذاة المركب الرياضي محمد الخامس، حيث جرى تخفيض ثمن المتر المربع من 34 ألف درهم إلى 15 ألف درهم، دون تقديم توضيحات دقيقة حول الأسس المعتمدة في هذا التغيير، ما أدى إلى خسارة مالية تقدر بنحو 48 مليون درهم، وفق المعطيات المعروضة.
هذه الوقائع أعادت إلى الواجهة إشكالية معايير تقييم العقار العمومي، ومدى اعتماد الجماعة على خبرات مستقلة ومحايدة، إضافة إلى سؤال الشفافية في اتخاذ القرار، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتفويتات أو تسويات مالية ذات أثر كبير على ميزانية المدينة.
وأمام تصاعد الجدل، تتجه الأنظار إلى المجلس الجماعي من أجل تقديم توضيحات دقيقة حول هذه الملفات، واتخاذ إجراءات عملية تضمن حماية الرصيد العقاري الجماعي وتوظيفه في خدمة التنمية المحلية، بما يعزز الثقة في المؤسسات المنتخبة ويقطع مع كل الممارسات التي قد تسيء إلى صورة التدبير العمومي داخل واحدة من أكبر مدن المملكة.