حمى العزل تتمدد.. منتخبون يفقدون مقاعدهم قبل انتخابات 2026
قبل أقل من عام على موعد الانتخابات الجماعية المرتقبة سنة 2026، تتواصل مسطرة عزل منتخبين محليين بعدد من الجماعات الترابية، في سياق سياسي يتسم بحساسية المرحلة ودقة الرهانات المرتبطة بإعادة تشكيل الخريطة الانتخابية على المستوى المحلي.
ويعكس تواتر قرارات العزل الصادرة عن القضاء الإداري خلال الأشهر الأخيرة تحولا لافتا في وتيرة تفعيل آليات المراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة، في مؤشر على تشدد متزايد في تطبيق القوانين المنظمة للعمل الجماعي.
وقد شكلت الأحكام الصادرة عن المحكمة الإدارية بأكادير محطة بارزة في هذا المسار، بعدما قضت بعزل عدد من المنتخبين المنتمين إلى مجالس جماعية بعمالة إنزكان-أيت ملول، استنادا إلى دعاوى تقدم بها عامل الإقليم على خلفية ما اعتُبر حالات تنازع مصالح.
واستندت هذه الدعاوى إلى مقتضيات القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، ولا سيما المادتين 64 و65 منه، اللتين تنصان على منع المنتخب من ربط مصالح خاصة مع الجماعة التي ينتمي إلى مجلسها خلال مدة انتدابه.
وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن ملفات العزل همّت نوابا لرؤساء جماعات ومستشارين جماعيين تربطهم علاقات استغلال مباشرة بمرافق جماعية، من قبيل أسواق الجملة والأسواق اليومية والمحطات الطرقية، وهو ما اعتبرته السلطات الإقليمية وضعية تنافٍ صريحة تمس بمبدأ تكافؤ الفرص وتضرب في العمق قواعد النزاهة والشفافية المفترض توفرها في تدبير الشأن المحلي.
وفي الاتجاه ذاته، سبق أن برزت عمالة إقليم تطوان مطلع شهر فبراير الجاري كنموذج آخر لتفعيل مسطرة العزل، إثر مباشرة إجراءات في حق عضوين بمجلس جماعة تطوان بعد صدور أحكام قضائية نهائية بعقوبات سالبة للحرية في حقهما، ما يجعلهما في وضعية فقدان أحد الشروط القانونية لممارسة الانتداب الجماعي.
وقد جرى تفعيل المسطرة في احترام للمقتضيات التنظيمية الجاري بها العمل، في رسالة واضحة مفادها أن الإدانة النهائية تشكل سببا مباشرا لتجريد المنتخب من عضويته.
كما حسمت محكمة الاستئناف الإدارية بطنجة نزاعا قانونيا يتعلق بعضوية مستشار بجماعة مرتيل، بعدما أصدرت حكما نهائيا يؤيد مقرر المجلس القاضي بمعاينة إقالته بسبب غياباته المتكررة التي تجاوزت العدد المسموح به قانونا من الدورات.
ويعكس هذا القرار تشددا في التعامل مع الإخلال بواجب الحضور والمشاركة في أشغال المجالس، باعتباره عنصرا جوهريا في ممارسة المهام التمثيلية.
ولم تقتصر هذه الدينامية على جهات الشمال والوسط، بل امتدت إلى الجنوب الشرقي، حيث شهد مجلس جماعة ترناتة بإقليم زاكورة تجريد عدد من أعضائه من العضوية بقرار صادر عن المحكمة الإدارية بمراكش، مع ترتيب كافة الآثار القانونية المترتبة عن ذلك.
وكانت المحكمة الإدارية بمراكش قد أصدرت خلال شهر يناير الماضي حكما قطعيا يقضي بتجريد خمسة مستشارين جماعيين من عضويتهم داخل مجلس جماعة ترناتة، وجميعهم ينتمون إلى حزب الاتحاد الاشتراكي.
وشمل منطوق الحكم إسقاط العضوية مع ترتيب كافة الآثار القانونية المترتبة عن ذلك، وتحميل الجهة المعنية مصاريف الدعوى، في قرار اعتُبر رسالة واضحة بشأن صرامة القضاء الإداري في تطبيق النصوص القانونية المؤطرة للعمل الانتدابي.
وتتقاطع هذه التطورات مع حالات عزل أخرى سُجلت خلال الأشهر الماضية بعدد من الأقاليم، من بينها برشيد وبوسكورة، ما يوحي بأن الأمر لم يعد يتعلق بحالات معزولة، بل بتوجه عام يروم إعادة ضبط المشهد المحلي وتنقيته من الممارسات المخالفة للقانون.
ومع اقتراب انتخابات 2026، يبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدا من الحزم في التعاطي مع ملفات المنتخبين، في محاولة لترسيخ نموذج تدبير يقوم على احترام القانون، ويعيد الثقة المفقودة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة.