انتخابات 2026.. تنافس حزبي متصاعد لاستقطاب الكفاءات الشابة
يدخل المغرب مرحلة حاسمة من التحضير للاستحقاقات التشريعية المزمع تنظيمها سنة 2026، في سياق وطني يتسم بارتفاع سقف الانتظارات المجتمعية بشأن تجديد النخب السياسية وتعزيز حضور الشباب والنساء داخل المؤسسات المنتخبة.
ومع تبقي شهور قليلة عن الاستحقاقات الانتخابية، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت هذه المحطة ستشكل بالفعل منعطفًا نوعيًا في مسار تحديث الحياة السياسية وإعادة بناء جسور الثقة بين المواطن ومؤسساته التمثيلية، بعد سنوات من النقاش العمومي حول محدودية تمثيلية الفئات الصاعدة داخل البرلمان والجماعات الترابية.
ودخلت الساحة السياسية المغربية في مرحلة تسخين مبكر، حيث كثفت الأحزاب الكبرى، سواء تلك المشكلة للأغلبية الحكومية أو المتموقعة في المعارضة، من أنشطتها التنظيمية والتواصلية، ورفعت من منسوب خطابها الموجه إلى فئة الشباب.
ويبرز في هذا السياق كل من التجمع الوطني للأحرار وحزب التقدم والاشتراكية وحزب العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة، التي سارعت طيلة الأسابيع الأخيرة إلى تنظيم لقاءات وندوات في مختلف أقاليم المملكة، حملت رسائل مباشرة للشباب تحثهم على الانخراط في العمل الحزبي والمشاركة في الاستحقاقات المقبلة، سواء عبر التصويت أو عبر الترشح.
غير أن هذا الرهان يصطدم بإرث من العزوف النسبي عن المشاركة السياسية، تغذيه عوامل متعددة، من بينها الشعور بضعف تأثير الصوت الانتخابي، وتراجع الثقة في النخب التقليدية، إضافة إلى التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي أعادت ترتيب أولويات الشباب.
في هذا السياق، اعتمدت المملكة، ولأول مرة في تاريخ الانتخابات المغربية، حزمة من التحفيزات المباشرة الرامية إلى كسر الحواجز التي تعيق ولوج الشباب إلى المؤسسات التشريعية.
ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تخصيص دعم مالي يغطي 75 في المائة من مصاريف الحملات الانتخابية للمرشحين دون سن الخامسة والثلاثين، بسقف يصل إلى 500 ألف درهم، إلى جانب تسهيلات تهم الترشح المستقل، بهدف تقليص الارتهان لمنطق “التزكيات” الحزبية التقليدية وفتح المجال أمام كفاءات شابة قد لا تجد لنفسها موقعًا ضمن الترتيبات التنظيمية للأحزاب.
هذه المستجدات التشريعية والتنظيمية تضع الأحزاب أمام امتحان مزدوج: فمن جهة، يتعين عليها تجديد آلياتها الداخلية لاختيار المرشحين، بما يضمن تكافؤ الفرص بين الأجيال، ومن جهة ثانية، عليها أن تقدم برامج واقعية وقابلة للتنفيذ تستجيب لانشغالات الشباب في مجالات الشغل والتعليم والصحة والسكن والتحول الرقمي.
ومنذ المصادقة على القرارات الجديدة شرعت عدد من الهيئات السياسية في البحث عن وجوه جديدة قادرة على خوض غمار الاستحقاقات المقبلة بعيدًا عن الوجوه الكلاسيكية التي طبعت المشهد الانتخابي لسنوات.
وتبرز داخل بعض التنظيمات نقاشات داخلية حول ضرورة إفساح المجال أمام الكفاءات الشابة، وتمكينها من مواقع متقدمة في اللوائح الانتخابية، بدل الاكتفاء بأدوار ثانوية أو رمزية.
في هذا الإطار، أكد المكتب التنفيذي لمنظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة على أهمية تعزيز حضور الشباب في النقاش العمومي والاستحقاقات الانتخابية المقبلة، مستحضرًا التوجيهات الملكية السامية الداعية إلى إشراك الشباب وتمكينهم في مواقع المسؤولية، وكذا التوجه الاستراتيجي للحزب في دعم الكفاءات الشابة وتشجيعها على الانخراط الفعلي في الانتخابات التشريعية لسنة 2026.
وشددت المنظمة، في اجتماعها الأخير على ضرورة توفير فضاء مؤسساتي يتيح للشباب الراغب في الترشح الدفاع عن مشاريعهم السياسية داخل الهياكل الحزبية، بما يعزز الثقة المتبادلة بين القيادة والقواعد الشابة.
كما عبّرت المنظمة عن استعدادها للترافع داخل الحزب من أجل تمكين الشباب من فرص حقيقية في الترشح، مؤكدة أنها ستعمل على تمثيل مصالحهم داخل الأجهزة التقريرية، بما يضمن حضورًا وازنًا للشباب في اللوائح الانتخابية.
ويعكس هذا التوجه، بحسب متابعين، محاولة لتجاوز الانتقادات التي ظلت توجه للأحزاب بشأن محدودية انفتاحها على الطاقات الجديدة، واعتمادها المفرط على شبكات النفوذ التقليدية.
وبين التحفيزات المؤسسية والحركية الحزبية، يبقى الرهان الأكبر معقودًا على استعادة الثقة في السياسة كفضاء للمبادرة والمساءلة، وعلى تحويل الطاقات الشابة من قوة اجتماعية كامنة إلى فاعل مؤثر في رسم ملامح مغرب ما بعد 2026، خاصة أن المغرب مقبل على استضافة كأس العالم 2030 وتنزيل مشاريع هذه التظاهرة العالمية.