فوضى نقل المرضى بالدار البيضاء تضع الجهات المسؤولة أمام اختبار الإصلاح
تتواصل على مستوى جهة الدار البيضاء-سطات، خاصة في العاصمة الاقتصادية مظاهر الضغط المتزايد على مرفق نقل المرضى والجرحى، في ظل تحديات ميدانية وتنظيمية تعكس هشاشة بنيوية في أحد أهم أعمدة المنظومة الصحية، وهو القطاع الذي يشكل حلقة حاسمة في ضمان سرعة التدخل وإنقاذ الأرواح خلال الحالات الحرجة.
وبين التوسع العمراني المتسارع الذي تعرفه العاصمة الاقتصادية وارتفاع الطلب على الخدمات الصحية الاستعجالية، يجد هذا المرفق نفسه أمام اختبارات متزايدة تطرح بإلحاح ضرورة مراجعة شاملة لآليات تدبيره وتنظيمه، بما يضمن الجودة والنجاعة واحترام الضوابط القانونية.
وتبرز المؤسسات الاستشفائية الكبرى، وفي مقدمتها المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد، كنقطة تركيز رئيسية لهذه الإشكالات، حيث يشهد قسم المستعجلات ضغطاً متواصلاً نتيجة تدفق عدد كبير من الحالات يومياً، وهو ما ينعكس مباشرة على حركة سيارات الإسعاف، سواء التابعة للقطاع العمومي أو الخاصة.
وأكدت المعارضة البرلمانية في أسئلتهم الكتابية أن نقص أسطول سيارات الإسعاف ومحدودية الفضاءات المخصصة لركن هذه المركبات داخل المؤسسة الصحية تدفع إلى إخراجها نحو الشوارع المجاورة بعد نقل المرضى، ما يخلق وضعية معقدة تتداخل فيها اعتبارات تنظيمية وقانونية ومهنية، وتؤثر على انسيابية حركة السير وعلى ظروف عمل مهنيي النقل الصحي.
في هذا السياق، كشف وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، في معرض جوابه على سؤال كتابي للمستشار البرلماني خالد السطي عن وجود ممارسات غير قانونية تورط فيها بعض سائقي سيارات الإسعاف الخاصة بمحيط المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد، مشيراً إلى أن هذه التصرفات تسهم في تفاقم الفوضى وتعقيد تدبير حركة النقل الصحي.
وأوضح أن بعض السائقين يلجؤون إلى توجيه المرضى نحو مصحات خاصة بدعوى استكمال العلاج، في ممارسات تتعارض مع التوصيات الطبية الصادرة عن أطر المستشفى العمومي، وهو ما تعتبره السلطات انحرافاً عن الضوابط القانونية والمهنية المؤطرة لهذا النشاط.
وأشار المسؤول الحكومي إلى أن الإشكالات المسجلة لا ترتبط فقط بهذه الممارسات، بل تعود أيضاً إلى عوامل موضوعية تتعلق بضيق البنية التحتية المخصصة لسيارات الإسعاف داخل المستشفى، حيث لا يتسع الفضاء الحالي إلا لعدد محدود من المركبات، وهو ما يضطر السائقين إلى الانتظار خارج أسوار المؤسسة الصحية لفترات متفاوتة من أجل استرجاع تجهيزاتهم، بعد إدخال المرضى إلى قسم المستعجلات.
ويؤدي هذا الوضع إلى تسجيل مخالفات مرورية في حق بعض السائقين بسبب توقفهم في أماكن غير مسموح بها، كما يساهم في خلق اختناقات مرورية في محيط يشهد أصلاً كثافة سير مرتفعة.
وفي محاولة لمعالجة هذه الوضعية، أكد وزير الداخلية أن السلطات المعنية تدرس إمكانية إحداث فضاء مخصص لركن سيارات الإسعاف بالقرب من المقر السابق لمصلحة المستعجلات، في خطوة تهدف إلى تحسين ظروف اشتغال مهنيي النقل الصحي وضمان انسيابية حركة السير واحترام القوانين الجاري بها العمل.
كما عملت إدارة المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد، حسب الوزير، على تعزيز الوسائل اللوجستيكية الداخلية من خلال اقتناء 40 ناقلة إضافية مخصصة لنقل المرضى داخل المصلحة، وهو إجراء يروم تقليص مدة انتظار سائقي سيارات الإسعاف وتمكينهم من استعادة تجهيزاتهم في وقت وجيز، بما يحد من الاضطرار إلى التوقف خارج المؤسسة الصحية.
هذه التطورات تأتي في سياق نقاش أوسع حول واقع مرفق النقل الصحي بجهة الدار البيضاء–سطات، والذي سبق أن أثار ملاحظات مؤسساتية متعددة، أبرزها ما ورد في تقارير المجلس الأعلى للحسابات أكدت أن هذا القطاع، رغم توفره على موارد مادية وبشرية مهمة، لا يزال يواجه اختلالات مرتبطة أساساً بغياب إطار تنظيمي متكامل يحدد بوضوح شروط مزاولة نشاط النقل الصحي ويوحد معايير الجودة والسلامة.
وأشار التقرير، استناداً إلى مهمة موضوعاتية شملت الفترة الممتدة من 2018 إلى 2024، إلى أن الجهة تتوفر على ما يقارب ألف سيارة إسعاف موزعة على مختلف العمالات والأقاليم، إضافة إلى 182 مؤسسة استشفائية.
غير أن هذا الرصيد العددي لا يعكس بالضرورة نجاعة المرفق، إذ يواجه التدبير اليومي مجموعة من التحديات البنيوية، في مقدمتها غياب إطار قانوني وتنظيمي متكامل يحدد بدقة شروط مزاولة نشاط النقل الصحي، ويوحد معايير الجودة والسلامة بين القطاعين العام والخاص.