باب السمارين...حارس فاس الجديد وبوابة التاريخ

الكاتب : الجريدة24

07 أبريل 2026 - 10:40
الخط :

أمينة المستاري

تنتصب باب السمارين شامخة عند مدخل فاس الجديد، كأنها صفحة مفتوحة من كتاب المدينة العتيق.

هناك، في شارع بولخصيصات، يفصل هذا الباب الأسطوري بين عالمين: حي الملاح، أقدم الأحياء اليهودية بالمغرب، وزنقة فاس الجديد، القلب التجاري النابض بالحركة والضجيج، وعلى مقربة منه يلوح القصر الملكي في صمت مهيب.

شيد باب السمارين سنة 1244م على يد المرينيين، فجاء تحفة معمارية تجمع بين الضخامة والطابع الأندلسي الأنيق.

يتكون من قوسين عظيمين، أو بابين متجاورين، تعلوهما سقوف مقببة بأشكال هندسية متنوعة، وتحيط به جدران شاهقة وسميكة تشي بروح التحصين العسكري الذي ميز أبواب فاس وأسوارها، وعلى جانبيه ينتصب برجان ضخمان، يعززان مناعته ويجعلان منه نموذجا للدفاع الحضري في العصور الوسطى.

غير أن هذا الباب لم يكن يحمل اسمه الحالي دائما؛ فقد عرف قديما بـ"باب عيون صنهاجة"، قبل أن يطلق عليه اسم "السمارين" نسبة إلى الحدادين الذين كانت ورشهم تنتشر بالقرب منه، حيث كانت تصنع الصفائح الحديدية لقوائم الخيول والدواب، وهكذا ارتبط اسمه بحرفيي النار والحديد، الذين صاغوا بأدواتهم إيقاع الحياة اليومية في فاس.

ومع تأسيس السلطان المريني أبو يوسف يعقوب لمدينة فاس الجديد سنة 1276م، تحول باب السمارين إلى المدخل الجنوبي للمدينة الجديدة، ونقطة الانطلاق نحو شارع السوق الرئيسي، المعروف اليوم بالشارع الكبير، المؤدي إلى دار المخزن.

وكانت المنطقة المجاورة له تعج بصوامع الحبوب والمخازن، قبل أن تتحول تدريجيا إلى أحياء سكنية نابضة بالحياة.

أما من الناحية الهندسية، فقد تميز الباب بمدخل منكسر يقود إلى ممر داخلي ينعطف بزاوية قائمة عدة مرات، في تقنية دفاعية معروفة في العمارة العسكرية الوسيطة، تجعل اقتحامه أمرا بالغ الصعوبة، إلا أنه في فترة الحماية الفرنسية شهدت إعادة بناء شاملة للباب سنة 1924، حيث فتحت جدرانه الداخلية لتسهيل مرور العربات، فصار اليوم بمدخل مزدوج بأقواس متعددة تمتد عبر فضاء الممر القديم.

وتزدان واجهته الخارجية بأقواس متعددة الفصوص، بعضها مصمت وبعضها مؤطر بزخارف مستطيلة ونقوش شبكية، في مشهد يزاوج بين القوة والجمال، وداخل الممر، باب جانبي يقود إلى ممر يمتد غربا بمحاذاة الأسوار القديمة، كان يستعمل تاريخيا للوصول مباشرة إلى القصر الملكي، بينما تنتصب على الجهة الأخرى قاعة سوق كبيرة مقببة، أعيد بناؤها في القرن العشرين على طراز الصوامع المرينية التي كانت قائمة في المكان ذاته.

هكذا يظل باب السمارين أكثر من مجرد معبر حجري؛ إنه شاهد على تحولات فاس السياسية والعمرانية، وحارس لذاكرة مدينة لم تتوقف عن إعادة اكتشاف نفسها عبر القرون.

آخر الأخبار