باب الخميس...البوابة التي نجت من سقوط مدينة كاملة

الكاتب : الجريدة24

26 مايو 2026 - 10:00
الخط :

أمينة المستاري

في قلب التاريخ العمراني لمدينة مكناس يقف باب الخميس شاهداً على مرحلة من أزهى مراحل ازدهارها، حين جعلها السلطان العلوي المولى إسماعيل عاصمة سياسية وعسكرية لدولته في أواخر القرن السابع عشر.

فهذا الباب صفحة من تاريخ مكناس تحكي قصة عمرانها وحياتها الاقتصادية والاجتماعية.

شيد باب الخميس سنة 1098 هـ (1686م) بأمر من السلطان المولى إسماعيل، وهو التاريخ الذي وثقته نقوش زليج تعلو الباب، تتضمن أبياتا شعرية خلدت فيها لحظة ميلاده المعماري. وجاء في تلك الأبيات:

أنا الباب السعيد سأموت فخرا...سمو البدر في الفلك السعيد

سنــا مـولاي إسماعيل يبــدو...على ذاتي المنوطة بالسعود

فـفـي وقــت سعــيد قد بناني...  وورخ نشأتي جود المشيد

كان باب الخميس يشكل المدخل الرئيسي لمدينة "الرياض العنبري"، وهي مدينة داخلية أنشأها المولى إسماعيل لإيواء جيش الوداية وبعض كبار أعيان الدولة.، كما كان يفتح على حي الحدائق الذي ضم مساكن الوزراء وكبار موظفي السلطان.

لكن هذه المدينة لم تعمر طويلا؛ إذ تعرضت للهدم سنة 1731م في عهد السلطان مولاي عبد الله بن إسماعيل، ابن المولى إسماعيل، بعدما ثار غضبه إثر استقبال ساخر خصه به السكان عقب عودته من معركة خاسرة ضد المتمردين. وبذلك اختفى حي الحدائق ومعظم معالمه، وبقي باب الخميس الأثر الوحيد تقريبا الذي يذكّر بوجود تلك المدينة المندثرة.

يرتبط اسم الباب بالسوق الأسبوعي الشهير الذي كان يقام بالقرب منه، والمعروف باسم "سوق الخميس"، وهو سوق للماشية كانت تفد إليه القبائل والفلاحون من القرى المجاورة. ولهذا كان الباب منفذا حيويا تمر عبره القوافل التجارية والدواب نحو داخل المدينة، ما جعله مركزا للحركة الاقتصادية والاجتماعية في مكناس.

يعكس باب الخميس خصائص العمارة الدفاعية في العصر العلوي؛ إذ يتميز بقوس مدخلي واسع يسمح بمرور القوافل، وجدران سميكة كانت تؤدي وظيفة التحصين والحماية.

كما تعلوه زخارف ونقوش قريبة في أسلوبها من تلك التي تزين باب البرادعيين، في انسجام بين القوة الدفاعية والجمالية المعمارية.

ينتمي باب الخميس إلى شبكة من الأبواب التاريخية التي أحاطت بالعاصمة الإسماعيلية وأسهمت في تنظيم حركتها التجارية والعسكرية، من أبرزها: باب منصور لعلج، باب الجديد، باب الحجر.

وقد شكلت هذه الأبواب مع الأسوار المحيطة منظومة دفاعية متكاملة حافظت على أمن المدينة وهيبتها.

وينتصب بالقرب من باب الخميس برج بلقاري، أحد عناصر النظام الدفاعي للمدينة الإمبراطورية، والذي تحول سنة 2006 إلى متحف لفخار الريف وما قبل الريف، ليضيف بعدا ثقافيا جديدا إلى فضاء تاريخي عريق.

رغم اختفاء مدينة الرياض العنبري وحي الحدائق، ظل باب الخميس قائما كحارس للذاكرة الإسماعيلية في مكناس؛ بوابة عبرت منها القوافل والأسواق، وشاهد صامت على تحولات مدينة كانت يوما عاصمة لإحدى أقوى الدول في تاريخ المغرب.

آخر الأخبار