بين غلاء المحروقات واختلال الأسواق.. هل الحكومة مطالبة بإصلاح آليات الدعم؟
عاد ملف أسعار المحروقات في المغرب إلى واجهة النقاش العمومي بقوة، في سياق يتسم بارتفاعات متتالية وملموسة أثارت موجة من القلق داخل الأوساط الاجتماعية والمهنية، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول فعالية حكامة هذا القطاع وحدود تدخل الدولة في سوق محررة.
وتبرز هذه التطورات في ظرف اقتصادي دقيق، تتزايد فيه الضغوط على القدرة الشرائية للمواطنين، وتتسع فيه دائرة التأثيرات غير المباشرة لأسعار الطاقة على مختلف سلاسل الإنتاج والتوزيع، بما في ذلك المنتجات الفلاحية الأساسية.
وقد سجلت أسعار الغازوال والبنزين زيادات لافتة خلال الأيام الأخيرة، وهو ما انعكس بشكل شبه فوري على كلفة النقل والخدمات اللوجستية، باعتبار المحروقات عنصراً محورياً في تحريك عجلة الاقتصاد.
ولم تقف تداعيات هذه الزيادات عند حدود قطاع النقل، بل امتدت لتطال عمق المنظومة الإنتاجية، خاصة في المجال الفلاحي، حيث تشكل الطاقة أحد أبرز محددات الكلفة، سواء في عمليات الحرث أو السقي أو الجني أو نقل المنتجات نحو أسواق الجملة.
في هذا الصدد أجمع عدد من المهنيين في القطاع الفلاحي حسب ما توصلت به الجريدة 24، أن العلاقة بين أسعار المحروقات وأثمنة الخضر والفواكه واللحوم ليست ظرفية، بل بنيوية، نظراً لارتباطها المباشر بسلسلة طويلة من المتدخلين، تبدأ من الضيعات الفلاحية ولا تنتهي عند المستهلك النهائي.
فارتفاع كلفة الغازوال، حسب المهنيين، يترجم فوراً إلى زيادة في مصاريف تشغيل الآلات الفلاحية ومضخات الري، ثم ينتقل إلى كلفة نقل السلع عبر مسافات طويلة، خصوصاً في ظل تمركز الإنتاج في مناطق بعيدة عن مراكز الاستهلاك.
وفي هذا السياق، عبر اتحاد النقابات المهنية للقطاع الفلاحي والمعدات الفلاحية بجهة فاس-مكناس عن قلقه الشديد من الارتفاع المتواصل لأسعار المحروقات، معتبراً أن هذه الزيادات أصبحت تشكل عبئاً ثقيلاً على كاهل الفلاحين، خاصة الصغار والمتوسطين منهم.
وأكد الاتحاد في بلاغ له أن الأسعار ترتفع بدرهم أو أكثر عند الزيادة، بينما لا تشهد سوى انخفاضات طفيفة لا تتجاوز بضعة سنتيمات عند التراجع، وهو ما يثير تساؤلات حول شفافية آليات التسعير ومدى مراعاتها لمصالح القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها القطاع الفلاحي.
كما سجل البلاغ، باستغراب، إقصاء القطاع الفلاحي، خاصة أرباب الآلات والمعدات، من الدعم المخصص للمحروقات، مقارنة بقطاعات أخرى كالنقل، رغم الأهمية الاستراتيجية للفلاحة في ضمان الأمن الغذائي الوطني.
وأشار الاتحاد إلى أن هذا الوضع يزيد من حدة الضغط على الفلاحين، خصوصاً في مجال الفلاحة البورية المرتبطة بإنتاج الحبوب والقطاني، والتي تعاني أصلاً من ضعف المردودية وتقلبات المناخ، إلى جانب توالي سنوات الجفاف، مما يهدد شريحة واسعة من الفلاحين بالتوقف عن الإنتاج.
ودعا الاتحاد الجهات المعنية إلى التدخل العاجل لإيجاد حلول عملية لتخفيف العبء عن الفلاحين، مطالباً بمراجعة أسعار المحروقات أو تخصيص دعم مباشر لمهنيي القطاع الفلاحي، أسوة بباقي القطاعات الإنتاجية. كما شدد على ضرورة اتخاذ إجراءات استثنائية لدعم الفلاحين الصغار والمتوسطين لضمان استمراريتهم.
وطالب المصدر ذاته، كذلك الفلاحين إلى توحيد الصف وخوض أشكال نضالية للدفاع عن حقوقهم، مع الاستعداد لإنجاح محطة فاتح ماي المقبلة، باعتبارها فرصة للتعبير عن مطالبهم.
ويزداد هذا التأثير تعقيداً داخل أسواق الجملة، حسب ما أكده عدد من المهنيين بسوق الجملة للخضر والفواكه بالدار البيضاء للجريدة 24، بحيث تتداخل عوامل متعددة، من بينها كلفة النقل والتخزين وهوامش الربح، فضلاً عن اختلالات محتملة في آليات المراقبة والشفافية.
وفي ظل غياب تسقيف واضح لهوامش الربح أو تتبع دقيق لكلفة النقل، يجد المستهلك نفسه في مواجهة أسعار متقلبة، لا تعكس دائماً التكلفة الحقيقية بقدر ما تعكس اختلالات في بنية السوق.
على المستوى السياسي، تعكس الأسئلة البرلمانية الموجهة إلى الحكومة حجم القلق من انعكاسات هذه الزيادات على الأسعار، خاصة في ما يتعلق بالخضر والفواكه، التي تشكل جزءاً أساسياً من الاستهلاك اليومي للأسر.
وفي هذا الإطار، وجه النائب البرلماني مولاي المهدي الفاطمي، عضو الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية بمجلس النواب، سؤالاً شفوياً إلى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات أحمد البواري، حول تداعيات الارتفاع الأخير في أسعار المحروقات على أثمنة الخضر والفواكه بالسوق الوطنية.
وأوضح الفاطمي أن الارتفاع الملحوظ في أسعار الغازوال ينعكس بشكل مباشر على كلفة نقل المنتجات الفلاحية من الضيعات إلى أسواق الجملة، ثم إلى مختلف نقاط البيع، مشيراً إلى أن كلفة النقل تمثل عنصراً أساسياً ضمن سلسلة التسويق والتوزيع، ما قد يؤدي إلى زيادات ملموسة في الأسعار تؤثر على القدرة الشرائية للمواطنين.
كما تساءل عن الإجراءات التي تعتزم الحكومة اتخاذها للحد من هذه الانعكاسات، ومدى توفر آليات فعالة لمراقبة كلفة النقل داخل سلاسل التوزيع.
وفي انتظار تبلور إجراءات عملية، يظل المواطن الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، حيث يتحمل بشكل مباشر كلفة الزيادات، سواء عبر أسعار المواد الغذائية أو الخدمات، في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالعيش اليومي.
ويعكس هذا الوضع حاجة ملحة إلى إعادة النظر في آليات الدعم، بما يضمن توزيعاً أكثر عدلاً لحل الأزمات، ويحافظ في الآن ذاته على استقرار المنظومة الاقتصادية والاجتماعية.