بن يحيى تنتقد إقصاء ربات البيوت من مؤشرات النشاط الاقتصادي
تجدد النقاش داخل الأوساط الحقوقية والبرلمانية في المغرب بشأن ضرورة إدراج ربات البيوت ضمن صلب السياسات الاجتماعية، في ظل تصاعد الدعوات إلى إقرار آليات دعم مباشر لهذه الفئة التي تشكل نسبة واسعة من النساء، وتضطلع بأدوار يومية حيوية داخل الأسرة دون مقابل مادي أو حماية اجتماعية توازي حجم إسهامها الفعلي في استقرار النسيج المجتمعي.
ويأتي هذا النقاش في سياق تحولات اجتماعية واقتصادية متسارعة، أعادت طرح مسألة الاعتراف بالعمل المنزلي غير المؤدى عنه، باعتباره مكونًا أساسيًا في الدورة الاقتصادية، رغم استبعاده من مؤشرات القياس التقليدية.
ويؤكد فاعلون حقوقيون أن هذا النوع من العمل، الذي يشمل الرعاية الأسرية والتدبير المنزلي والمساهمة غير المباشرة في الأنشطة المدرة للدخل، يظل غير مرئي في الحسابات الرسمية، ما يكرس فجوة واضحة بين الواقع الاقتصادي والتصورات المعتمدة في رسم السياسات العمومية.
وبرز هذا الموضوع مجددًا، خلال لقاء نظمته مؤسسة الفقيه التطواني، اليوم الاثنين، خصص لمناقشة السياسات الداعمة للمرأة في تحقيق التوازن بين متطلبات العمل والحياة الأسرية، حيث شكلت مداخلات المشاركين أرضية لتجديد الدعوة إلى ضرورة إعادة النظر في مكانة العمل المنزلي داخل المنظومة الاقتصادية والاجتماعية، بما يضمن إنصاف الفئات التي تشتغل خارج السوق المنظمة.
وفي هذا الإطار، أكدت نعيمة بن يحيى أن العمل المنزلي غير المؤدى عنه يمثل ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني، رغم غيابه عن مؤشرات القياس الرسمية، مشيرة إلى أن تقدير قيمته الاقتصادية يصل إلى نحو 500 مليار درهم، وفق دراسة أنجزها خبير اقتصادي اعتمادًا على معطيات المندوبية السامية للتخطيط، وهو رقم يعكس حجم الإسهام غير المعلن للنساء داخل الاقتصاد الوطني.
وأوضحت المسؤولة الحكومية أن جزءًا كبيرًا من الجهد الذي تبذله النساء داخل الأسر يظل غير معترف به اقتصاديًا، رغم كونه إنتاجًا فعليًا لخدمات أساسية، تشمل الطبخ والتنظيف ورعاية الأطفال والمسنين والمرضى، فضلًا عن المساهمة في أنشطة عائلية مدرة للدخل، معتبرة أن هذا العمل يشكل دعامة خفية لاستمرارية الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ويستدعي إدماجه ضمن الرؤية الشمولية للتنمية.
وانتقدت بن يحيى التصورات المجتمعية التي تختزل وضعية النساء داخل المنازل في كونهن خارج سوق الشغل، معتبرة أن هذا الطرح ينطوي على تقليل من قيمة عمل حقيقي ومنتج، مؤكدة أن النساء المغربيات يضطلعن بأدوار متعددة ومتشعبة، حتى في غياب اعتراف رسمي أو أجر مباشر، ما يستدعي تغييرًا في النظرة المجتمعية والمؤسساتية على حد سواء.
وفي سياق متصل، كشفت معطيات رسمية عن تفاوت واضح في توزيع الزمن المنزلي بين الجنسين، حيث تخصص النساء نسبة مهمة من وقتهن للأعمال المنزلية، سواء في الوسط الحضري أو القروي، مقابل مساهمة محدودة للرجال، وهو ما يعكس استمرار اختلالات بنيوية في تقاسم الأدوار داخل الأسرة، ويطرح تحديات إضافية أمام تحقيق المساواة الفعلية.
كما اعتبرت الوزيرة أن نسبة نشاط النساء في المغرب، التي لا تتجاوز 19 في المائة وفق الإحصائيات الرسمية، لا تعكس حقيقة انخراط النساء في العمل، بالنظر إلى إقصاء فئات واسعة، في مقدمتها ربات البيوت، من احتساب هذا المؤشر، ما يبرز محدودية الأدوات المعتمدة في قياس المشاركة الاقتصادية للنساء.
وفي مقابل ذلك، أقرت المسؤولة الحكومية بوجود تحديات بنيوية تعيق تمكين النساء اقتصاديًا، من بينها العوائق الثقافية المرتبطة بالتمثلات الاجتماعية، إلى جانب غياب إدماج فعلي للعمل المنزلي في النماذج الاقتصادية المعتمدة، وهو ما يفرض التفكير في تطوير مقاربات جديدة لاحتساب القيمة المضافة خارج السوق، بما ينسجم مع التحولات الاجتماعية ويعزز العدالة الاقتصادية.
وكانت الفعاليات الحقوقية قد أكدت مرارا على أن إدراج ربات البيوت ضمن السياسات الاجتماعية لا يقتصر على الجانب المالي فقط، بل يتجاوز ذلك إلى إقرار منظومة متكاملة تشمل الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والاعتراف القانوني، بما يضمن كرامة هذه الفئة ويعزز مساهمتها في التنمية المستدامة، في أفق بناء نموذج تنموي أكثر إنصافًا وشمولية.