بين خطوة تقليص ساعات العمل وتحديات التنزيل.. هل تنهي الحكومة أزمة حراس الأمن الخاص؟

الكاتب : انس شريد

18 أبريل 2026 - 06:30
الخط :

بين تأكيدات حكومية ومخاوف نقابية متصاعدة، يعود ملف أعوان الحراسة الخاصة إلى واجهة النقاش العمومي بالمغرب، باعتباره أحد أبرز الملفات الاجتماعية التي طالها الانتظار دون تسوية جذرية، في وقت تتزايد فيه المطالب بإنصاف هذه الفئة التي تضطلع بأدوار حيوية في تأمين المؤسسات العمومية والخاصة وضمان استمرارية الخدمات اليومية.

ويطرح هذا الملف اليوم تساؤلات ملحة حول مدى قدرة الحكومة الحالية على إنهاء مظاهر الحيف التاريخي الذي طال العاملين في هذا القطاع، ومدى قابلية الإجراءات المعلنة للترجمة إلى واقع ملموس.

ويعكس واقع أعوان الحراسة الخاصة اختلالات بنيوية عميقة في تنظيم القطاع، سواء على مستوى علاقات الشغل أو شروط التعاقد، حيث تشير معطيات متطابقة إلى أن عددا كبيرا من العاملين يزاولون مهامهم في ظروف توصف بالقاسية، تتسم بامتداد ساعات العمل إلى 12 ساعة يوميا في كثير من الحالات، مقابل أجور محدودة لا ترقى أحيانا إلى الحد الأدنى القانوني.

ولا تقف الإشكالات عند هذا الحد، بل تمتد إلى تأخر صرف الأجور لمدد قد تصل إلى عدة أشهر، فضلا عن غياب التعويض عن الساعات الإضافية، وعدم التصريح لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ما يحرم هذه الفئة من أبسط حقوقها الاجتماعية، وعلى رأسها التغطية الصحية والاستفادة من معاش التقاعد.

في هذا السياق، أعلن وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، عن التوصل إلى اتفاق مع الشركاء الاجتماعيين يقضي بالشروع في إصلاح يهم تخفيض ساعات العمل لفائدة أعوان الحراسة والأمن الخاص، من 12 ساعة إلى 8 ساعات يوميا، وذلك في إطار مخرجات جولة الحوار الاجتماعي الأخيرة.

وأكد المسؤول الحكومي، في تصريحات للصحافة، أن هذا القرار يأتي استجابة لوضعية غير متوازنة استمرت لسنوات، حيث كان العاملون يشتغلون لمدة 12 ساعة مقابل أجر يحتسب على أساس 8 ساعات فقط، وهو ما اعتبره “حيفا حقيقيا” في حق هذه الفئة.

وأوضح السكوري أن هذا الاتفاق تم في إطار مقاربة تشاركية وبتوجيهات من رئيس الحكومة عزيز أخنوش، الذي يضع، بحسب الوزير، القضايا الاجتماعية ذات الأولوية ضمن أجندة العمل الحكومي، خاصة تلك المرتبطة بتحسين ظروف الشغل وتعزيز العدالة الاجتماعية.

كما أشار إلى أن تنزيل هذا الإصلاح سيتم عبر مراجعة المادة 197 من مدونة الشغل، مع اعتماد تدرج في التنفيذ يراعي خصوصيات القطاع وإكراهاته، مؤكدا أن الهدف هو تحقيق توازن بين حماية حقوق الأجراء وضمان استمرارية المقاولات.

ورغم هذا الإعلان الذي اعتبرته الحكومة خطوة نوعية نحو إنصاف شريحة واسعة من العاملين، فإن ردود الفعل النقابية لم تخل من التحفظ والحذر، حيث شددت أصوات نقابية على أن التجارب السابقة تفرض عدم الاكتفاء بالإعلانات الرسمية، بل ضرورة تتبع مسار التنزيل الفعلي للإصلاحات على أرض الواقع.

وفي هذا الإطار، عبرت لبنى نجيب، الكاتبة الوطنية للنقابة الوطنية لأعوان الحراسة الخاصة والنظافة والطبخ، عن تخوفها من التأويل المتسرع لهذه الخطوة، مؤكدة أن المصادقة على أي قانون لا تعني دخوله الفوري حيز التنفيذ.

وأوضحت نجيب، في تدوينة لها عبر حسابها على الفيسبوك، أن القوانين تمر بمسار قانوني وإجرائي قبل أن تصبح ملزمة، بدءا من النشر في الجريدة الرسمية، الذي يعد شرطا أساسيا لإضفاء الصفة القانونية عليها، وصولا إلى تحديد آجال تطبيقها، والتي قد تمتد في بعض الحالات إلى عدة أشهر، بهدف تمكين مختلف الأطراف من تكييف أوضاعها مع المقتضيات الجديدة.

واعتبرت أن الاعتقاد بإمكانية التطبيق الفوري لأي مكسب اجتماعي يعد أمرا غير دقيق، مشددة على أن المعركة الحقيقية تبدأ بعد المصادقة، من خلال تتبع التنفيذ ومواجهة أي محاولات للتماطل أو الالتفاف.

ويكشف هذا التباين بين الخطاب الحكومي والموقف النقابي عن فجوة ثقة لا تزال قائمة، تعكسها تراكمات سابقة من الوعود غير المكتملة أو الإصلاحات التي تعثرت في مراحل التنفيذ.

كما يبرز حجم التحدي الذي يواجه الحكومة في تحويل التزاماتها إلى إجراءات عملية تضمن تحسينا فعليا في ظروف اشتغال أعوان الحراسة الخاصة، بما يكرس مبدأ الكرامة المهنية ويحد من الهشاشة التي تطبع هذا القطاع.

وفي ظل هذه المعطيات، يبقى نجاح الحكومة في إنهاء الحيف على قطاع الأمن الخاص رهينا بمدى قدرتها على ضمان التطبيق الصارم للإصلاحات المعلنة، وتعزيز آليات المراقبة، وإشراك مختلف الفاعلين في تتبع التنفيذ، بما يحقق التوازن المنشود بين متطلبات سوق الشغل وحماية حقوق الأجراء، ويعيد الثقة في مسار الحوار الاجتماعي كآلية لإنتاج حلول مستدامة للقضايا الاجتماعية العالقة.

آخر الأخبار