تسييس ملف الماء يعود للواجهة.. تبادل الاتهامات يعيد طرح المسؤوليات الحكومية

الكاتب : انس شريد

21 أبريل 2026 - 09:30
الخط :

يشكل ملف الماء في المغرب واحداً من أبرز التحديات الاستراتيجية التي تتقاطع فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، في سياق وطني يتسم بتقلبات مناخية حادة وضغط متزايد على الموارد الطبيعية.

وقد عاد هذا الملف إلى واجهة النقاش العمومي والسياسي خلال السنوات الأخيرة، قبل أن يكتسب زخماً إضافياً مع تسجيل تحسن ملموس في الوضعية المائية خلال السنة الجارية، انعكس في ارتفاع غير مسبوق في الحقينة الإجمالية للسدود مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، ما أعاد بعض الأمل في تعزيز الأمن المائي الوطني.

هذا التحسن النسبي في المخزون المائي، الذي جاء بعد سنوات متتالية من الجفاف، كان له أثر مباشر على القطاع الفلاحي وعدد من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة به، خاصة في المناطق القروية التي عانت بشكل كبير من ندرة المياه وتراجع الإنتاج الزراعي.

غير أن هذا الانفراج الظرفي لم يلغ استمرار الجدل حول تدبير هذا الملف الحساس، خصوصاً في ظل اتهامات متبادلة بين الفاعلين السياسيين بشأن المسؤوليات المرتبطة بتفاقم الأزمة خلال السنوات الماضية.

في هذا السياق، أكد رئيس الحكومة عزيز أخنوش أن حكومته تعاملت مع ملف الماء باعتباره قضية استراتيجية غير قابلة للتسييس، انسجاماً مع التوجيهات الملكية التي شددت في أكثر من مناسبة على ضرورة اعتماد مقاربة تقنية وواقعية في تدبير هذا المورد الحيوي.

وخلال تعقيبه على مداخلات الفرق البرلمانية بمجلس النواب، اليوم الثلاثاء، حمّل أخنوش الحكومات السابقة، التي قادها حزب العدالة والتنمية، جزءاً كبيراً من مسؤولية التأخر في معالجة إشكالية ندرة المياه، معتبراً أنها لم تقارب هذا الملف بالجدية الكافية ولم تستوعب حجم الرهانات المستقبلية المرتبطة به.

وأوضح رئيس الحكومة أن المرحلة الحالية تقوم على تدخل متعدد المستويات، يجمع بين التدابير الاستعجالية لمواجهة الخصاص المائي، والتخطيط الاستراتيجي طويل المدى، إلى جانب تنزيل البرنامج الملكي الهادف إلى تأمين التزويد بالماء الشروب ومياه السقي.

وأضاف أن الحكومة تتابع هذه الأوراش بشكل يومي، في إطار مقاربة تعتمد على الاستمرارية والنجاعة، مؤكداً في الآن ذاته أن الدولة لن تسمح بتكرار أخطاء الماضي التي أدت إلى تفاقم أزمة الماء وتحويلها إلى عبء ثقيل على الحكومة اللاحقة.

وفي سياق حديثه أمام النواب، شدد أخنوش على أن بعض القرارات السابقة ساهمت في تعميق الأزمة، معتبراً أن تأجيل اتخاذ إجراءات حاسمة في هذا الملف الحيوي كلف البلاد سنوات من الضغط المائي، مبرزاً أن حوالي سبعة ملايين مواطن كانوا مهددين بانقطاعات محتملة في التزود بالماء خلال فترات سابقة.

كما رد على ملاحظات بعض النواب بخصوص المسؤوليات الحكومية السابقة، موضحاً أن تدبير قطاع الماء لم يكن في تلك المرحلة ضمن الاختصاص المباشر لوزارة الفلاحة، وأن معالجة هذا الملف كانت تتطلب قرارات على أعلى مستوى حكومي.

وفي خضم هذا النقاش، برزت أيضا كلمة لوزير العدل عبد اللطيف وهبي، الذي أكد يوم أمس الاثنين، أن المغرب يتجه نحو مرحلة جديدة في تدبير الموارد المائية تقوم على تشديد الحماية القانونية للأمن المائي، مشيرا إلى أن “تجريم إهدار الماء” بات خيارا مطروحا بقوة ضمن التوجهات التشريعية المقبلة.

وأوضح وهبي، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، أن التعامل مع الماء لم يعد يقتصر على كونه مورداً طبيعياً، بل أصبح مادة استراتيجية تستوجب حماية قانونية صارمة.

وأضاف الوزير أن المرحلة القادمة قد تعرف إقرار مقتضيات قانونية تجرّم الأفعال التي تؤدي إلى استنزاف أو إهدار غير مبرر للمياه، معتبراً أن الحفاظ على هذا المورد الحيوي لم يعد مجرد خيار تقني، بل أصبح ضرورة أخلاقية وقانونية تفرضها التحولات المناخية وتزايد حدة الإجهاد المائي.

وشدد على أن كل من يثبت تورطه في إهدار هذه المادة الحيوية سيكون عرضة للمساءلة وفق مقتضيات جنائية مشددة، في إطار مقاربة جديدة تروم تعزيز ثقافة ترشيد الاستهلاك وحماية الموارد الطبيعية.

وبين جدل سياسي حول المسؤوليات السابقة، ومحاولات حكومية لتثبيت مقاربة جديدة في التدبير، يظل ملف الماء في المغرب مفتوحا على تحديات معقدة تتطلب توازنا دقيقا بين الحلول الاستعجالية والإصلاحات الهيكلية، في ظل رهانات تتجاوز البعد التقني لتلامس الأمن الغذائي والاجتماعي للبلاد، وتضع السياسات العمومية أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتها على ضمان استدامة هذا المورد الحيوي للأجيال القادمة.

آخر الأخبار