ملف التقاعد يضاعف الضغوط على الحكومة.. وأصوات من الأغلبية ترفع سقف التحذير
يتجه ملف إصلاح أنظمة التقاعد إلى فرض نفسه مجددا كأحد أكثر الملفات الاجتماعية والسياسية تعقيدا في المغرب، مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية وعودة الحديث عن استئناف جولات الحوار الاجتماعي بين الحكومة والمركزيات النقابية الأكثر تمثيلية.
ويأتي ذلك في سياق يتسم بتزايد الضغوط المالية التي تواجهها صناديق التقاعد من جهة، وتصاعد المطالب الاجتماعية الداعية إلى حماية القدرة الشرائية للمتقاعدين وتحسين أوضاعهم المعيشية من جهة أخرى، ما يجعل أي خطوة إصلاحية محتملة محاطة بحسابات سياسية واجتماعية دقيقة.
وتجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام ورش ثقيل يزداد تعقيدا كلما تأخر الحسم فيه، خصوصا أن النقاش الدائر حول مستقبل أنظمة التقاعد لم يعد يقتصر على الجوانب التقنية المرتبطة بالتوازنات المالية للصناديق، بل امتد ليشمل أسئلة أوسع تتعلق بالعدالة الاجتماعية ومستقبل الحماية الاجتماعية وحقوق الأجراء والمتقاعدين.
كما أن اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة يضاعف من حساسية الملف ويجعل أي قرار بشأنه محل متابعة دقيقة من مختلف الفاعلين السياسيين والنقابيين.
وفي خضم هذا النقاش، برزت مواقف جديدة عبر عنها نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، خلال لقاء حزبي له اليوم الأحد، الذي أكد أن إصلاح أنظمة التقاعد كان من بين الالتزامات الأساسية التي تضمنها البرنامج الانتخابي للحزب والبرنامج الحكومي على حد سواء، غير أنه أقر في المقابل بأن الحكومة لم تنجح إلى حدود الساعة في التوصل إلى توافق مع النقابات حول الصيغة النهائية للإصلاح.
وأوضح أن حزب الاستقلال ظل متمسكا بضرورة اعتماد مقاربة تشاركية تضمن إشراك النقابات الأكثر تمثيلية وعدم فرض أي إصلاح بشكل أحادي قد ينعكس سلبا على أوضاع الأجراء والمتقاعدين.
ورغم انتماء حزب الاستقلال إلى الأغلبية الحكومية، فإن تصريحات بركة حملت في طياتها انتقادات غير مباشرة لطريقة تدبير هذا الملف خلال السنوات الأخيرة، إذ اعتبر أن التأخر في الوصول إلى توافق اجتماعي حول الإصلاح فوت على الحكومة فرصة معالجة الاختلالات بشكل مبكر وأدخل الملف في دائرة الانتظار، في وقت تتزايد فيه المؤشرات التي تنبه إلى ضرورة اتخاذ قرارات مسؤولة ومتوازنة تحفظ حقوق المنخرطين وتؤمن استدامة الصناديق.
وأكد بركة أن أي إصلاح لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتحميل المتقاعدين والأجراء كلفة الاختلالات المتراكمة، مشددا على أن المقاربة التي يدافع عنها حزبه تقوم على تحقيق التوازن بين الحفاظ على ديمومة أنظمة التقاعد وضمان عدم المساس بالحقوق الاجتماعية للفئات المعنية.
كما دعا إلى التفكير في آليات جديدة لتحسين المعاشات الصغرى مستقبلا، خاصة بالنسبة للمتقاعدين الذين يعيشون أوضاعا اجتماعية صعبة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد النفقات المرتبطة بالعلاج والرعاية الصحية.
وفي استعراضه لبعض المكتسبات الاجتماعية التي تحققت خلال السنوات الماضية، أشار الأمين العام لحزب الاستقلال إلى أن مجموعة من الإجراءات المرتبطة بحقوق الأجراء في التقاعد ساهمت في توسيع دائرة المستفيدين من الحماية الاجتماعية.
ومن بين هذه الإجراءات إمكانية استرجاع الاشتراكات بالنسبة للأشخاص الذين لم يستوفوا شروط الاستفادة من المعاش، إضافة إلى تمكين من راكموا 1320 يوما من التأمين، أي ما يقارب أربع سنوات من العمل، من الاستفادة من معاش الشيخوخة، وهو ما اعتبره خطوة مهمة نحو تعزيز الإنصاف الاجتماعي.
كما استحضر بركة الإجراءات الجبائية التي مست فئة المتقاعدين خلال السنوات الماضية، مبرزا أن مسار التخفيضات الضريبية الذي انطلق تدريجيا انتهى إلى إعفاء المتقاعدين بشكل كامل من الضريبة على الدخل، بعدما كانت نسبة الإعفاء في مراحل سابقة تشمل حوالي 85 في المائة منهم فقط، معتبرا أن هذا الإجراء ساهم في تحسين الدخل الصافي للمتقاعدين والتخفيف من الأعباء المالية المفروضة عليهم.
ويأتي تجدد النقاش حول إصلاح التقاعد في وقت تستعد فيه الحكومة لإعادة فتح قنوات الحوار مع النقابات بعد أشهر من التوتر والانتقادات التي أعقبت تأجيل اجتماعات اللجنة التقنية المكلفة بالملف.
وترى عدد من المركزيات النقابية أن التأجيل المتكرر عمق حالة الغموض وأثار مخاوف واسعة لدى الأجراء والمتقاعدين بشأن طبيعة الإصلاحات المرتقبة، خاصة في ظل غياب معطيات رسمية مفصلة حول السيناريوهات التي يجري إعدادها.
وفي المقابل، تتواصل مطالب الهيئات الممثلة للمتقاعدين بضرورة الرفع من قيمة المعاشات ومراجعة أوضاع الفئات ذات الدخل المحدود، حيث تؤكد هذه الهيئات أن عددا كبيرا من المتقاعدين يتقاضون معاشات تتراوح بين 1000 و2000 درهم شهريا، وهي مبالغ تعتبرها غير كافية لمواجهة أعباء الحياة اليومية في ظل موجة الغلاء التي تشهدها الأسواق وارتفاع تكاليف الخدمات الصحية والأدوية.
كما تثير المعطيات المرتبطة بأوضاع كبار السن بالمغرب نقاشا متزايدا حول ضرورة توسيع نطاق الاستفادة من أنظمة التقاعد، خصوصا أن نحو 2.5 مليون مسن يوجدون خارج أي نظام للتقاعد، بينما يعتمد ما يقارب 70 في المائة منهم على التضامن العائلي كمصدر رئيسي للعيش. ويعتبر متابعون أن هذه الأرقام تكشف حجم التحديات التي ما تزال مطروحة أمام ورش الحماية الاجتماعية الذي تراهن عليه الدولة خلال السنوات الأخيرة.
ومع اقتراب العد العكسي لنهاية الولاية الحكومية، يبدو أن ملف التقاعد سيتحول إلى أحد أبرز عناوين النقاش السياسي والاجتماعي خلال الأشهر المقبلة، خاصة في ظل استمرار الضغوط النقابية وتصاعد مطالب المتقاعدين وعودة الأحزاب السياسية إلى تقديم مواقفها وتصوراتها بشأن مستقبل هذا الورش.
وبين ضرورة حماية التوازنات المالية للصناديق والاستجابة للمطالب الاجتماعية المتنامية، يبقى التوصل إلى توافق واسع حول الإصلاح التحدي الأكبر الذي يواجه الحكومة قبل دخول البلاد مرحلة الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026.