هل تصبح الملفات الاجتماعية وقودا للمزايدات السياسية قبل الانتخابات؟

الكاتب : انس شريد

17 يونيو 2026 - 08:30
الخط :

يتواصل الجدل السياسي حول عدد من الملفات الاجتماعية والاقتصادية مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية، في وقت تشهد فيه الساحة البرلمانية تصاعدا ملحوظا في حدة النقاش بين مكونات الأغلبية والمعارضة بشأن تقييم السياسات العمومية ومدى انعكاسها على الأوضاع المعيشية للمواطنين.

وبينما تكثف فرق المعارضة انتقاداتها لأداء الحكومة في ملفات ترتبط بالأسعار والقدرة الشرائية والتشغيل والأمن الغذائي، تؤكد قطاعات وزارية أن معالجة هذه القضايا تقتضي نقاشا مسؤولا يستند إلى المعطيات والمؤشرات الواقعية بعيدا عن منطق المزايدات السياسية المرتبط بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

وخلال جلسات المساءلة البرلمانية الأخيرة، برز توجه حكومي واضح يدعو إلى الفصل بين تدبير الملفات الاجتماعية وبين التجاذبات السياسية التي تشتد عادة مع اقتراب المواعيد الانتخابية، حيث شدد عدد من المسؤولين الحكوميين على أن التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها المملكة لا يمكن اختزالها في شعارات سياسية أو قراءات ظرفية، بل تتطلب تقييما شاملا يأخذ بعين الاعتبار السياق الدولي والتحولات الاقتصادية التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة.

وفي هذا السياق، دافعت وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي خلال أشغال الجلسة الشفهية بمجلس المستشارين، يوم أمس الثلاثاء، التدابير التي اتخذتها الحكومة لمواجهة تداعيات ارتفاع الأسعار والحفاظ على القدرة الشرائية للأسر المغربية، معتبرة أن النقاش المرتبط بحماية المستهلك ينبغي أن ينطلق من معطيات موضوعية تراعي طبيعة التحولات التي عرفتها الأسواق الدولية خلال السنوات الأخيرة.

وأكدت أن الارتفاعات المسجلة في أسعار عدد من المواد الأساسية ليست ظاهرة محلية معزولة، بل ترتبط بتقلبات اقتصادية عالمية مست العديد من الدول، الأمر الذي فرض على الحكومات البحث عن آليات للتخفيف من آثارها الاجتماعية والاقتصادية.

وأوضحت الوزيرة أن الحكومة اختارت خلال هذه المرحلة توسيع برامج الدعم الاجتماعي المباشر، ومواصلة إصلاح منظومة الحماية الاجتماعية، ودعم عدد من القطاعات الحيوية، فضلا عن اتخاذ إجراءات تروم الحفاظ على توازن الأسواق وضمان تزويدها بالمواد الأساسية.

كما اعتبرت أن الحفاظ على استقرار عدد من المؤشرات الاقتصادية في ظل ظرفية دولية معقدة يمثل أحد التحديات الكبرى التي واجهتها الحكومة خلال السنوات الأخيرة.

وفي مقابل هذا الطرح، واصلت المعارضة توجيه انتقاداتها للسياسات الحكومية، معتبرة أن الأوضاع المعيشية لفئات واسعة من المواطنين ما تزال تعكس استمرار الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

واستند عدد المستشارين، إلى معطيات وتقارير رسمية للقول إن جزءا مهما من الأسر المغربية تأثر بارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة على الادخار، معتبرين أن هذه المؤشرات تستوجب مراجعة عدد من الخيارات الاقتصادية والاجتماعية المعتمدة خلال السنوات الماضية.

مع اثارتهم مجموعة من التساؤلات المرتبطة بفعالية التدابير المتخذة لمواجهة المضاربة والاحتكار، داعيا إلى تعزيز آليات المراقبة وتفعيل القوانين الزجرية المرتبطة بحماية المنافسة وضبط الأسواق.

وفي ملف آخر لا يقل أهمية، دافع وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات أحمد البواري عن حصيلة التدخلات الحكومية الرامية إلى دعم قطاع الماشية ومواكبة الفلاحين في مواجهة التحديات المرتبطة بالجفاف وتراجع الموارد الطبيعية خلال السنوات الماضية.

وأكد أن القطاع عرف خلال الفترة الأخيرة تحسنا تدريجيا بفضل الإجراءات المتخذة وبرامج الدعم الموجهة لإعادة التوازن إلى القطيع الوطني وتحسين ظروف الإنتاج.

وأشار الوزير إلى أن النقاش العمومي المرتبط بأسعار المواشي وتدبير مرحلة عيد الأضحى شهد في بعض الأحيان تركيزا على حالات محدودة ومعزولة تم تقديمها للرأي العام باعتبارها صورة شاملة عن وضعية السوق، معتبرا أن المعطيات المتوفرة لدى المصالح المختصة تعكس صورة أكثر توازنا بشأن العرض والطلب ومستويات التزود خلال الفترة التي سبقت المناسبة الدينية.

وأكد البواري أن الوزارة عملت بتنسيق مع مختلف المتدخلين على توفير الظروف الملائمة لتسويق الماشية وتسهيل عمليات البيع والاقتناء عبر عدد من الإجراءات التنظيمية واللوجستية، مبرزا أن الإقبال الكبير الذي تعرفه شعيرة الأضحية في المغرب يفرض تحديات إضافية على منظومة الإنتاج والتوزيع، خاصة في ظل التحولات المناخية والاقتصادية التي أثرت على القطاع الفلاحي خلال السنوات الأخيرة.

كما شدد الوزير على ضرورة تحصين النقاش العمومي من محاولات توظيف بعض الملفات الاجتماعية ذات الحساسية الكبيرة في الصراع السياسي، معتبرا أن قضايا مرتبطة بالأمن الغذائي أو المناسبات الدينية والاجتماعية ينبغي أن تناقش في إطار من المسؤولية والإنصاف، بعيدا عن المزايدات والحسابات السياسية أو التقليل من حجم المجهودات المبذول

ويعكس هذا السجال المتواصل داخل المؤسسة التشريعية دخول المشهد السياسي مرحلة جديدة تتسم بارتفاع منسوب التنافس بين الأغلبية والمعارضة مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، حيث تسعى كل جهة إلى تقديم قراءتها الخاصة لحصيلة المرحلة الحالية.

وبينما تركز المعارضة على إبراز الإكراهات الاجتماعية والاقتصادية التي ما تزال تواجه المواطنين، تؤكد الحكومة أن تقييم أدائها ينبغي أن يتم انطلاقا من المؤشرات الشاملة والظروف الاستثنائية التي طبعت السنوات الأخيرة، بما في ذلك تداعيات الأزمات الدولية والجفاف وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية.

ومع استمرار هذا النقاش، تبدو الملفات الاجتماعية مرشحة لأن تبقى في صدارة الاهتمام السياسي خلال المرحلة المقبلة، باعتبارها إحدى القضايا الأكثر تأثيرا في الرأي العام، غير أن المؤشرات الصادرة عن عدد من القطاعات الحكومية تكشف في المقابل عن تمسكها برفض تحويل هذه الملفات إلى أدوات للمزايدة الانتخابية، والدعوة إلى مقاربة تقوم على تقييم النتائج والبرامج وفق معايير موضوعية تستند إلى الأرقام والوقائع الميدانية أكثر من استنادها إلى الحسابات السياسية الضيقة.

آخر الأخبار