ترقب نقابي لاجتماع يوليوز.. ومخاوف من رمي ملف التقاعد إلى الحكومة المقبلة
يعود ملف إصلاح أنظمة التقاعد إلى واجهة النقاش العمومي بالمغرب مع اقتراب استئناف جولات الحوار الاجتماعي المرتقبة خلال شهر يوليوز المقبل، وسط ترقب واسع من قبل المركزيات النقابية والفاعلين الاجتماعيين لمآل واحد من أكثر الأوراش تعقيدا وحساسية على الساحة الوطنية، في ظل استمرار التحديات المالية التي تواجهها صناديق التقاعد وتزايد المطالب الداعية إلى تحسين أوضاع المتقاعدين وضمان استدامة حقوق الأجيال المقبلة.
وكشفت معطيات حصلت عليها "الجريدة 24" أن اللجنة التقنية المكلفة بإصلاح أنظمة التقاعد أنهت خلال الأسابيع الماضية سلسلة من الاجتماعات والدراسات المتعلقة بتشخيص الوضعية المالية والديموغرافية لمختلف الصناديق، في أفق عرض خلاصاتها خلال جولة جديدة من الحوار المرتقب عقدها خلال الأسبوع الأول من شهر يوليوز، بمشاركة ممثلين عن الحكومة والمركزيات النقابية الأكثر تمثيلية، لمناقشة السيناريوهات المقترحة والإشكالات المرتبطة بمستقبل المنظومة.
ويأتي هذا التطور في وقت يتزايد فيه الضغط على الحكومة من أجل تقديم تصور واضح بشأن الإصلاح المنتظر، بعدما ظل الملف لسنوات طويلة مؤجلا بسبب تعقيداته الاجتماعية والمالية، وما يثيره من تخوفات لدى فئات واسعة من الأجراء والمتقاعدين.
وكانت وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح، قد أكدت خلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس المستشارين، يوم الثلاثاء الماضي، أن استدامة أنظمة التقاعد تبقى مرتبطة بإنجاز إصلاح شامل يحظى بالتوافق بين مختلف الأطراف المعنية، مشيرة إلى أن الحكومة تتوفر على معطيات تقنية ودراسات متخصصة تسمح بوضع تصورات متعددة لمعالجة الإشكالات القائمة، غير أن تعقيد الملف وطبيعته الاجتماعية يجعلان التقدم فيه أبطأ من التوقعات الأولية.
وأوضحت المسؤولة الحكومية أن الإصلاحات السابقة التي شملت بعض الأنظمة ساهمت في تخفيف عدد من الاختلالات، لكنها لم تكن كافية لضمان استدامة المنظومة بشكل كامل، خاصة في ظل التحولات الديموغرافية وارتفاع عدد المستفيدين مقارنة بالمساهمين.
كما شددت على أن أي قرار في هذا المجال لا يمكن أن يتم بشكل أحادي، وإنما يحتاج إلى توافق واسع يأخذ بعين الاعتبار مصالح مختلف الفئات المعنية.
في المقابل، تنظر المركزيات النقابية إلى المرحلة المقبلة بكثير من الحذر، إذ ترى أن الملف دخل منعطفا حاسما يتطلب وضوحا أكبر بشأن طبيعة الإصلاحات المرتقبة.
وتخشى بعض الهيئات النقابية من أن يؤدي اقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية إلى تأجيل اتخاذ القرارات الكبرى المرتبطة بالتقاعد، خصوصا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
وتعتبر هذه النقابات أن ضيق الزمن السياسي المتبقي قد يجعل من الصعب التوصل إلى توافق شامل حول ملف بهذا الحجم خلال الأشهر القليلة المقبلة، ما قد يفتح الباب أمام ترحيل الحسم النهائي إلى الحكومة المقبلة.
كما تعبر عن تخوفها من أن يؤدي استمرار التأجيل إلى تفاقم الوضعية المالية للصناديق وارتفاع الكلفة المستقبلية لأي إصلاح محتمل.
ويؤكد عدد من المسؤولين النقابيين أن الأولوية لا ينبغي أن تقتصر على معالجة التوازنات المالية فقط، بل يجب أن تشمل أيضا تحسين أوضاع المتقاعدين الذين يواجهون صعوبات متزايدة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.
ويرى هؤلاء أن نجاح أي إصلاح يظل رهينا بقدرته على تحقيق التوازن بين متطلبات الاستدامة المالية وضمان العيش الكريم للفئات المستفيدة من المعاشات.
وفي السياق نفسه، تتواصل مطالب الهيئات الممثلة للمتقاعدين بضرورة مراجعة قيمة المعاشات والرفع من الحد الأدنى لها، معتبرة أن آلاف المتقاعدين يتقاضون معاشات محدودة لم تعد قادرة على مواكبة الارتفاع المتواصل في أسعار المواد الأساسية والخدمات الصحية والأدوية.
وتدعو هذه الهيئات إلى اعتماد إجراءات اجتماعية موازية تراعي أوضاع الفئات الهشة وتخفف من الأعباء المعيشية التي تواجهها.
ومع اقتراب موعد الجولة الجديدة من الحوار الاجتماعي، تتجه الأنظار إلى ما ستسفر عنه المناقشات المرتقبة بين الحكومة والشركاء الاجتماعيين، خاصة أن الملف لم يعد يقتصر على أبعاده التقنية والمالية، بل تحول إلى قضية اجتماعية وسياسية تحظى بمتابعة واسعة من الرأي العام.
كما أن مخرجات هذا الحوار ستحدد إلى حد كبير ما إذا كانت الحكومة الحالية قادرة على وضع اللبنات الأساسية للإصلاح قبل نهاية ولايتها، أم أن هذا الورش سيظل مفتوحا في انتظار المرحلة الحكومية المقبلة.