تصاميم التهيئة.. ملف عالق يربك المدن ويضغط على المنتخبين قبل نهاية الولاية
عاد ملف تصاميم التهيئة إلى واجهة النقاش العمومي بالمغرب مع اقتراب انتهاء الولاية الحكومية والجماعية الحالية، بعدما تحول تأخر إعداد هذه الوثائق والمصادقة عليها في عدد من المدن إلى أحد أبرز التحديات التي تواجه قطاع التعمير.
ويثير استمرار تعثر هذا الورش تساؤلات متزايدة حول مدى نجاعة منظومة التخطيط العمراني، في ظل ما يخلفه من انعكاسات مباشرة على الاستثمار، وتعطيل المشاريع، وإرباك برمجة التجهيزات العمومية، فضلاً عن اتساع دائرة الانتظارات لدى المواطنين الراغبين في تسوية أوضاعهم العقارية أو إنجاز مشاريع سكنية.
وتكتسي تصاميم التهيئة أهمية استراتيجية باعتبارها الإطار القانوني والتنظيمي الذي يحدد كيفية استغلال المجال العمراني، ويرسم توجهات التوسع الحضري، ويضبط توزيع المناطق السكنية والاقتصادية والصناعية، إلى جانب تخصيص العقارات اللازمة للمرافق العمومية والمساحات الخضراء وشبكات الطرق والتجهيزات الأساسية.
ويكتسب هذا الملف أبعاداً سياسية إضافية في سياق تعيش فيه الحكومة، برئاسة عزيز أخنوش، والمجالس المنتخبة الأشهر الأخيرة من ولايتها، وهو ما يجعل حصيلة تدبير قطاع التعمير إحدى القضايا التي ستخضع لتقييم الرأي العام والفاعلين الاقتصاديين والسياسيين.
وخلال الأشهر الماضية، برزت عدة مؤشرات تعكس حجم التحديات التي تواجه هذا الورش، بعدما شهدت بعض المدن نقاشات واسعة حول مشاريع تصاميم التهيئة أو تأخر إخراجها.
وتعد مدينة الدار البيضاء من أبرز النماذج التي عرفت جدلاً متواصلاً، خاصة على مستوى مقاطعة الحي المحمدي، حيث عبر منتخبون وفعاليات مدنية وسكان عن تحفظاتهم بشأن مشروع تصميم التهيئة المقترح، معتبرين أن عدداً من مقتضياته لا ينسجم مع الخصوصيات التاريخية والاجتماعية للمنطقة، ولا يراعي بالشكل الكافي التحولات الديمغرافية والضغط العمراني الذي تعرفه أحياء، من بينها درب مولاي الشريف، بما يضمن تحقيق تنمية حضرية متوازنة تستجيب لحاجيات الساكنة.
وامتد النقاش من المجالس المحلية إلى المؤسسة التشريعية، حيث بادر عدد من أعضاء مجلس النواب إلى مساءلة الحكومة بشأن أسباب استمرار التأخر في إخراج وثائق التعمير.
وفي هذا الإطار، وجهت النائبة البرلمانية حياة لعرايش، عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، سؤالاً كتابياً إلى وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة فاطمة الزهراء المنصوري، اعتبرت فيه أن عدداً من المدن المغربية أصبح يعيش على وقع اختلالات عمرانية متزايدة نتيجة غياب أو تأخر تحيين تصاميم التهيئة، وهو ما انعكس، بحسب مضمون السؤال، على توسع البناء بشكل غير منظم، وتراجع حضور المرافق العمومية والمساحات الخضراء داخل العديد من التجمعات الحضرية.
وأشارت النائبة البرلمانية إلى أن اعتراف الوزارة بوجود بطء مسطري في إعداد وثائق التعمير يطرح تساؤلات بشأن الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لهذا التأخر، خصوصاً في ظل تنامي الطلب على السكن وتزايد الضغط على البنيات التحتية والخدمات الأساسية.
كما دعت إلى الكشف عن الخطة الاستعجالية التي تعتزم الوزارة تنفيذها لتسريع إخراج وثائق التعمير العالقة، والإجراءات الرقابية الكفيلة بالحد من مظاهر الفوضى العمرانية وضمان احترام الضوابط القانونية المنظمة للبناء والتوسع الحضري.
ومن جهته، سبق للنائب البرلماني نبيل الدخش، عن حزب الحركة الشعبية، أن وجه سؤالاً كتابياً إلى وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، سلط فيه الضوء على تداعيات استمرار التأخر في المصادقة على تصاميم التهيئة بعدد من المدن، معتبرا أن هذا الوضع يؤثر بشكل مباشر على جاذبية الاستثمار ويعرقل إطلاق مشاريع تنموية وعقارية كانت تنتظر استكمال المساطر القانونية المرتبطة بوثائق التعمير.
وتوقف النائب البرلماني عند ما وصفه بتراكم الملفات على مستوى المصالح المركزية، ولا سيما داخل مديرية التعمير، مشيراً إلى أن مدناً مثل طنجة والقنيطرة والرباط ومراكش تعرف دينامية عمرانية واستثمارية متواصلة، غير أن بطء استكمال إجراءات المصادقة على تصاميم التهيئة يحد من قدرة هذه المجالات على استقطاب استثمارات جديدة، ويؤخر تنفيذ مشاريع مبرمجة من طرف القطاعين العام والخاص.
كما طالب الوزارة بتوضيح الأسباب التي تقف وراء هذا الوضع، مع تحديد جدول زمني واضح لاستكمال دراسة الملفات العالقة وتسريع إخراجها إلى حيز التنفيذ.
وبين ضغط الزمن الانتخابي وتعقيدات المساطر الإدارية والتقنية، يبقى مستقبل التخطيط العمراني رهينا بمدى قدرة مختلف المتدخلين على تجاوز حالة الجمود وتسريع وتيرة الإصلاح، بما يضمن إخراج تصاميم تهيئة تستجيب لحاجيات الساكنة وتواكب التحولات الاقتصادية، وتؤسس لمرحلة جديدة من التدبير الترابي قوامها النجاعة والشفافية والاستدامة.