قانون المحاماة يضع المحكمة الدستورية المغربية أمام اختبار تاريخي
قانون المحاماة يضع المحكمة الدستورية المغربية أمام اختبار تاريخي:هل ستسقط في فخ آلية "التحفظ التأويلي" أم ستسدعي الآليات الرقابية الحامية لحقوق الإنسان ؟
دراسة من إنجاز الأساتذة "خالد عدلي" و "ياسين مرواني" من هيئة مكناس-الرشيدية و "يوسف بوجدي"و "عبد العزيز ايت لقويد" من هيئة اكادير-كلميم-العيون
تمهيد: من صخب الأزمة إلى عمق الفلسفة الدستورية
إن إحالة مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بمهنة المحاماة بالمغرب على المحكمة الدستورية يضع هذه الأخيرة أمام اختبار تاريخي غير مسبوق. إنه اختبار يفصل بين خيارين: إما الانكفاء وراء الشكلية الإجرائية و البراغماتية التقنية لترميم نص مشوه، أو الارتقاء بالرقابة الدستورية إلى منزلة الوثبة الحقوقية الاستراتيجية التي تحمي السلم القضائي و تصون هوية المحاماة و تكرس الحماية الدستورية لحقوق الإنسان و للقيم الديمقراطية.
في لحظة سياسية و حقوقية فارقة تخيم فيها ظلال أزمة قانون مهنة المحاماة على مفاصل العدالة بالمغرب، لم يكن الخروج الإعلامي لرئيس المحكمة الدستورية الأستاذ محمد أمين بنعبد الله مجرد حوار صحفي عابر على منصة "اليوم 24" بل كان إعلانا بليغا و مؤثرا عن ميلاد أطروحة تأسيسية تعنى بـ "المدرسة الدستورية المغربية". خروج حبس أنفاس الأوساط القانونية، و جاء في توقيت بالغ الحساسية، يشبه الجلوس على صفيح ساخن؛ حيث تعيش البلاد على إيقاع أزمة غير مسبوقة شلت شرايين المحاكم، رفضا لمشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة. ملحمة تشريعية و ميدانية، تجاوزت حدود السجال القطاعي لتنتهي بإحالة النص، بعد المصادقة عليه في قراءة ثانية، على القاضي الدستوري، ليكون حكما بين سلطة تنشد الضبط و الوصاية و بين محاماة تذود عن استقلاليتها و حصانة الدفاع.
لقد وضع الأستاذ بنعبد الله الأصبع على عصب الموضوع حين أكد أن نشوء مدرسة دستورية أصيلة في أي بلد لا يولد بقرار، بل هو ثمرة تراكم اجتهادي متأن، تغذيه النوازل على مدى سنوات. و استشهد بالمسار الذي خطه القاضي الدستوري المغربي و هو يبلور معالم هويته الخاصة، مستحضرا بالخصوص إعمال "تقنية التحفظ التأويلي" تلك الأداة التي شرحت بصفتها جراحة مجهرية لإنقاذ النص القانوني من مقصلة اللادستورية، كواحد من أهم ملامح المدرسة الدستورية المغربية، قبل أن يستدرك باستحضار ملمح آخر يتجلى في ممارسة رقابة مرنة تستلهم "روح الوثيقة الدستورية" و مقاصدها السامية، بدل الانكفاء عند أسوار القراءة النصية الحرفية لمواد الدستور.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بحدة و استفزاز للعقل الحقوقي ليس ماضي هذه المدرسة، بل حاضرها و مستقبلها: اليوم، و هي تقف عند هذا المفصل التاريخي لتفحص دستورية قانون المحاماة المحتقن بالخلافات، هل ستنجح المدرسة الدستورية المغربية في اقتناص هذه اللحظة لتصنع ريادة حقوقية فارقة تليق بالطموح الحقوقي لدستور 2011 ؟
إن الجواب، حتما، لن تصنعه طبيعة المقتضيات التفصيلية التي ستقضي المحكمة بدستوريتها أو بعدم دستوريتها، بل ستصنعه طبيعة الترسانة المنهجية و التقنيات الرقابية التي ستختار المحكمة إعمالها. فإذا كانت تقنية "التحفظ التأويلي" قد شكلت في محطات سابقة أداة أتاحت للقاضي الدستوري فرصة الإبداع لحماية التشريع عبر نزع "سموم" عدم الدستورية منه بتفسير إلزامي ينشر بالجريدة الرسمية، فإن التحدي الوجودي المطروح الآن هو: هل يصح تطبيق هذه التقنية ذاتها على نص بحجم و قيمة قانون المحاماة؟ أم أن تعميم هذا المشرط التفسيري على حالة قانون المحاماة ستكون له نتائج عكسية قد تعصف بالأمن القانوني و تجهض الحماية الدستورية للحقوق؟
إن مفتاح حل هذه الأزمة الحقوقية المركبة، التي تذكيها الفجوة بين المبادئ الكونية للمحاماة و النصوص المحالة على الرقابة الدستورية، في ظل غياب دسترة صريحة و مباشرة لمهنة المحاماة في الوثيقة الدستورية، لا يكمن في الترقيع التأويلي لإنقاذ النص الحكومي المعيب، بل يكمن في امتلاك الجرأة القضائية للاستعانة بتقنيات أكثر ملاءمة و نجاعة. بل إن الخصوصية الهيكلية لنص قانون المحاماة تجعل من اللجوء للتحفظ التأويلي مجازفة حقوقية خطيرة، و رهانا قد يخدش ريادة المدرسة المغربية بدل أن يعززها.
إن دولة الحق والقانون، في أرقى تمظهراتها الفلسفية المعاصرة، تنبني على أطروحة مركزية تزاوج بين مشروعية السلطة و كفالة الحريات. و إذا كان البرلمان يستمد مشروعيته من الآلية الديمقراطية العددية، فإن المحكمة الدستورية تستمد مشروعيتها، وجوديا، من دورها كحارس أسمى للقناعات المبدئية و المكتسبات الحقوقية التي توافقت عليها الأمة في وثيقتها الأسمى.
و بما أن المحاماة تعتبر من أهم المكتسبات الحقوقية للمجتمعات الديمقراطية، فهي لا تصنف فقط كمهنة من المهن القضائية التي يمكن أن تخضع لتقلبات المبادرات الحكومية أو النزوعات الضبطية للسلطة التنفيذية؛ بل هي، فلسفيا و حقوقيا و تاريخيا، بمثابة حائط الصد المجتمعي و الجهاز العصبي لقضاء مستقل يحول دون تحول أدوات إنفاذ القانون إلى وسائل قهر مؤسساتي. من هذا المنطلق، فإن أي مراجعة تشريعية لمهنة المحاماة لا تقاس بجودتها الفنية المحضة، بل بمدى وفائها لمبدأ التمكين الحقوقي و ضمانات المحاكمة العادلة.
إن هذا الاختبار المفصلي لا ينفصل عن التحول البنيوي الذي شهده المغرب بالانتقال من عهد المجلس الدستوري إلى عصر المحكمة الدستورية، و هو انتقال يفترض ألا يكون مجرد تغيير في اليافطات و المسميات، بل تحولا نوعيا في فلسفة الرقابة و صلاحيات القاضي الدستوري. فبينما كان المجلس الدستوري محصورا في الأدوار التقليدية للرقابة السياسية و الشكلية المسبقة لضمان توازن السلطات العادية و ضبط المجال التنظيمي عن المجال التشريعي، أضحت المحكمة الدستورية حارسا أصيلا للحقوق و الحريات الأساسية. و يتجلى ذلك في اتساع كتلة المراقبة الدستورية و تكريس اختصاص الدفع بعدم الدستورية (الفصل 133)، مما يعيد تموقع القاضي الدستوري كحكم حمائي سام بين الفرد و الدولة، و سدا منيعا أمام شطط السلطة.
و تزداد الصورة إثارة و توترا عند تأمل موقف الفاعل الحكومي، الذي يتصدر وزير العدل واجهته و اندفاعه السياسوي، و هو يتسبب في هذه الأزمة و يضع البلاد في نفق حقوقي قد يمس بالمكتسبات الوطنية في ظرفية استراتيجية تراهن فيها الدولة على توطيد نفوذها الحقوقي الدولي لحسم قضايا مصيرية وفي مقدمتها ملف الوحدة الترابية و خيار الحكم الذاتي. هذا الفاعل الحكومي لم يتوان عن إظهار ضيقه و توجسه من أدوار المحكمة الدستورية، و لا يتردد في إطلاق التصريحات المستفزة، المقنعة و الصريحة، تجاه قضاة المحكمة الدستورية، في مشهد يترجم رغبة جامحة في معاكسة التوجه الحقوقي للقاضي الدستوري، بدافع حسابات سياسية و انتخابوية ضيقة تخشى أن يقف القضاء الدستوري حائلا دون تغول السلطة التشريعية و التنفيذية.
و بناء عليه فإن النقلة المؤسساتية التي عرفتها مكانة و أدوار المحكمة الدستورية المغربية تفرض عليها أن تعكسها عبر استعمال الآليات القضائية الحديثة، مستلهمة التجارب الدستورية المقارنة الرائدة التي يعتبر الانفتاح عليها و استدماجها ملمحا من الملامح الجوهرية للعبقرية المغربية:
- التجربة الألمانية: التي أرست مفهوم "الرقابة القيمية الشاملة"حيث لا تعتبر النصوص الدستورية مجرد قواعد إجرائية للتدبير، بل منظومة قيمية عليا تخضع لها و تستمد منها كافة تشريعات الدولة مشروعيتها.
- التجربة الفرنسية: لاسيما بعد تحولها بفضل تعديل 2008 و ممارسة الدفع بعدم الدستورية، حيث غدا القاضي الدستوري يسهر على سلامة جوهر الحقوق و الحريات و الحد من الشطط التشريعي للسلطة البرلمانية.
- التجربة الإيطالية: عبر نظرية "المبادئ العليا" التي تعتبر المبادئ الكونية لحقوق الإنسان و حصانة الدفاع مبادئ سامية لا تملك السلطات التنفيذية و التشريعية المساس بوجودها.
إن تجسيد هذا الدور المتقدم للمحكمة الدستورية المغربية يقتضي منها اليوم عدم الانكفاء على الرقابة النصية الضيقة، بل تفعيل الادوات الىقابية الحديثة لحماية بنية الدولة الديمقراطية و حقوق الإنسان، و تكريس حقوق الدفاع و ضمانتها المؤسساتية المتمثلة في الدفاع الحر المستقل.
من هذا المنطلق الزاخر بالتحديات، تتنزل هذه القراءة لتفكك الرهان الحقوقي الخطير للقرار المرتقب صدوره عن المحكمة الدستورية. و ستسعى لتبيان كيف أن لجوء المحكمة لتقنية "التحفظ التأويلي" في هذه النازلة تحديدا لن يكون حلا مرنا، بل قد يشكل انتكاسة صريحة لمسار بناء المدرسة الدستورية المغربية. كما ستبرهن الدراسة على أن استكمال مسار الريادة يتطلب الانعطاف نحو تقنيات رقابية أعمق و أشمل، تتبلور في استدعاء "الكتلة الدستورية"، و توظيف "القانون المرن"، و تفعيل "مبدأ عدم النكوص التشريعي"؛ إذ تعد هذه الأدوات الخيار الأمثل الذي سيمكن المحكمة الدستورية من دخول التاريخ من بابه الواسع و تأكيد السيادة الحقوقية للمدرسة المغربية.
القسم الأول: الآليات الدستورية الحامية لحقوق الإنسان
لكي تمارس المحكمة الدستورية رقابتها على موضوع يفتقد ظاهريا للدسترة المباشرة، باعتبار أن المحاماة كبنية مؤسساتية مستقلة غير مفصلة في فصول الدستور، وجب الانتقال من الرقابة النصية الضيقة إلى الرقابة النسقية القائمة على استدعاء و تعميق ثلاث آليات متطورة في الفقه و القضاء الدستوريين المعاصرين:
أولا: آلية "الكتلة الدستورية"
تنبثق آلية "الكتلة الدستورية" فلسفيا من تقويض المفهوم الكلاسيكي للوثيقة الدستورية، الذي كان يحصر الدستور في طابعه المكتوب والجامد. هذا التحول الفلسفي، الذي تزعمه فقهاء مثل "لوي فافورو" (Louis Favoreu) ينظر إلى الدستور باعتباره "منظومة قيمية حية متكاملة" لا تقف عند حدود المواد المرقمة، بل تمتد لتشمل المبادئ التوجيهية الكبرى، الحقوق اللصيقة بالكرامة الإنسانية و القواعد التي يفرضها الضمير الحقوقي الكوني. الكتلة الدستورية هي، في جوهرها الفلسفي، تقنية لمنع المشرع العادي من استغلال الصمت النصي للدستور للتعسف في التشريع أو الالتفاف على جوهر الحقوق والحريات.
و يعود الفضل في إرساء هذه الآلية تاريخيا إلى المجلس الدستوري الفرنسي في قراره التاريخي الصادر في 16 يوليوز 1971 بشأن حرية تأسيس الجمعيات. في هذا القرار، واجه المجلس نصا تشريعيا يقيد حرية الجمعيات، و لما لم يجد في مواد دستور 1958 نصا صريحا يسعفه للإبطال، عمد إلى دمج ديباجة دستور 1946، و إعلان حقوق الإنسان و المواطن لعام 1789، و المبادئ الأساسية التي اعترفت بها قوانين الجمهورية، معلنا ولادة "الكتلة الدستورية" كمعيار ملزم للرقابة. و حذت حذوه المحكمة الدستورية الإيطالية عبر نظرية المبادئ العليا.
وتجد هذه الآلية سندها المتين في تصدير الدستور المغربي لعام 2011، الذي حسم المشرع الدستوري في طابعه الإلزامي بنص صريح في آخره يعلن أنه "يشكل جزءا لا يتجزأ من هذا الدستور". التصدير تضمن التزامات حقوقية و قيمية استراتيجية لاسيما التزام المملكة بـ "حماية منظومتي حقوق الإنسان و القانون الدولي الإنساني و النهوض بهما، و الإسهام في تطويرهما، مع مراعاة الطابع الكوني لتلك الحقوق، و عدم قابليتها للتجزيء" و جعل الاتفاقيات الدولية كما صادق عليها المغرب تسمو فور نشرها على التشريعات الوطنية و العمل على ملاءمة القوانين معها.
كما تجد تقنية الاستناد إلى الكتلة الدستورية و الالتزامات الكونية سندها في الاجتهاد القضائي للمحكمة الدستورية المغربية (المجلس الدستوري سابقا)، لاسيما في القرار التاريخي بشأن قانون القضاء العسكري. في هذا القرار، استندت المحكمة مباشرة إلى تصدير الدستور و الالتزامات الدولية للمملكة لتعلن عدم دستورية محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري، مكرسة إمكانية الارتكاز على النصوص الكونية و القوانين المرنة المفسرة لها كمرجعية حاسمة لقياس مدى دستورية و ملاءمة التشريعات الوطنية.
ثانيا: آلية استدعاء "القانون المرن" و الإطار المركب للملاءمة التشريعية
يتأسس استدعاء "القانون المرن" نظريا على الفهم الحديث لمعنى المرجعية الحقوقية الشاملة، حيث ينظر الفقه الدستوري إلى الوثيقة الدستورية باعتبارها كائنا حيا يتغذى من القواعد و المعايير التفسيرية الكونية. فلسفيا، لا يمكن إعمال الضمانات الدستورية المجردة، مثل ضمان حقوق الدفاع الوارد في الفصل 120 من الدستور، في معزل عن الأدوات و المواثيق التي تشرح محتواها الإجرائي و العملي.
فالقانون المرن، وإن كان يفتقد لطبيعة الاتفاقيات الدولية التقليدية الإلزامية في صياغتها الشكلية المتمثلة في التوقيع و المصادقة و النشر، فإنه يمتلك "قوة ناعمة و معيارية كاشفة" تفرض نفسها كمرجع مفهومي ملزم للتفسير القضائي. إنه يمثل التوافق و الضمير الحقوقي العالمي المشترك بشأن مقومات سير العدالة. و بالتالي، عندما يضمن الدستور حقا مجردا كحق الدفاع، فإن القانون المرن يتدخل لفك الشفرات التنظيمية لهذا الحق، جاعلا الاستقلالية و الحصانة و التنظيم الذاتي عناصر جوهرية لا ينفصل وجود الحق عن وجودها.
و يستند الفقه المهني المتخصص إلى ضرورة إخضاع التشريع الوطني لـ "اختبار قانوني مركب" يرتكز على الالتزام الدستوري الصريح بالملاءمة التشريعية الوارد في تصدير الدستور، و على المعايير التفسيرية الصادرة عن الهيئات الكونية. فإذا كان العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية لا يتطرق صراحة للتفاصيل التنظيمية لاستقلال المحامي، فإن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، باعتبارها الجهة المخولة رسميا بتفسيره، أصدرت التعليق العام رقم 32 بشأن المادة 14، مؤكدة أن الحق في الدفاع لا يكون فعالا إلا إذا كان المحامي قادرا على أداء مهامه بشكل مستقل و دون ضغط أو ترهيب، مما يجعل استقلال المحاماة ضمانة حيوية لازمة للحق في المحاكمة العادلة.
و في ذات السياق الفقهي، تتنزل "مبادئ هافانا الأساسية بشأن دور المحامين" باعتبارها المرجع الدولي الأكثر اعتمادا و حضورا في بيان ضمانات استقلال مهنة المحاماة، و حماية حصانة الدفاع، و صيانة التنظيم الذاتي للهيئات.
ثالثا: مبدأ "عدم النكوص التشريعي"
يجد مبدأ "عدم النكوص التشريعي" جذوره الفلسفية العميقة في نظرية الأمن القانوني و فكرة الحقوق و المكتسبات الحقوقية التراكمية.
فلسفيا، ينظر القضاء الدستوري الحديث إلى منظومة الحقوق و الحريات في الدولة الديمقراطية باعتبارها خطا بيانيا تصاعديا لا يمكن أن يتراجع نحو الخلف، فالدولة حينما تمنح للمجتمع أو لقطاع حقوقي و مهني معين مقتضيات تمكينية و استقلالية و حمائية، فإن هذه المقتضيات تخرج من دائر الصلاحية التقديرية المحضة للمشرع العادي و تلتحق بـ "النظام العام الدستوري الديمقراطي". تراجع المشرع العادي عنها في نص لاحق، دون أن تدعو إلى ذلك ضرورة دستورية أسمى صريحة و بدائل أكثر كفالة للحقوق، يعد انتكاسة حقوقية تضرب موثوقية الدولة و يمثل انحرافا بالسلطة التشريعية يعامل معاملة الشطط في استعمال السلطة.
و قد عرف هذا المبدأ فقهيا و قضائيا في فرنسا بـ "تأثير المزلاج" (L'effet cliquet) و الذي صاغه المجلس الدستوري الفرنسي في قراراته الشهيرة المتعلقة بالحريات العامة (مثل قرار "حرية التعليم" لعام 1984، و قرار "حرية الاتصال" لعام 1986). يكرس المبدأ قاعدة أن المشرع العادي حين ينظم حقا من الحقوق أو مرفقا يحمي الحقوق، يمكنه تعديل المساطر شريطة ألا تؤدي التعديلات إلى تقليص حجم الضمانات القائمة و المستقرة، إلا إذا تم التنازل لصالح ضمانات أشد و أقوى.
و في الدستور المغربي لعام 2011، يتأصل هذا المبدأ من خلال شبكة نصية و مبدئية متكاملة:
1) التصدير: التزام الدولة الصريح بـ "توطيد مؤسسات دولة حديثة، مرتكزاتها المشاركة و التعددية و الحكامة الجيدة".
2) الفصل 6 من الدستور: الذي يعتبر القانون أسمى تعبير عن إرادة الأمة، و يفرض على السلطات العمومية توفير الظروف التي تمكن من تعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنات و المواطنين و تعزيز مشاركتهم في الحياة السياسية و الاقتصادية و الثقافية و الاجتماعية.
3) الفصل 175 من الدستور: الذي حظر مساس أي تعديل بالحقوق و الحريات المكتسبة بالوثيقة الدستورية، و هو المبدأ الذي يمتد فقهيا للتشريعات العادية الراعية لهذه الحقوق.
بناء عليه، و بما أن القانون القائم و المنظم لمهنة المحاماة (القانون رقم 28.08) يمثل المنسوب التاريخي المستقر و المكتسب للاستقلالية البنيوية و التنظيم الذاتي و حصانة الدفاع، فإن مشروع القانون رقم 66.23، بما يحمله من صياغات ارتدادية و ضبطية مقيدة، يشكل خرقا صارخا و مباشرا لمبدأ عدم النكوص التشريعي، مما يوجب على المحكمة الدستورية التدخل لوقف هذا الارتداد السلطوي حماية للمكتسب الحقوقي الوطني.
القسم الثاني: خطورة آلية التحفظ التأويلي
يقف هذا القسم عند المعضلة الإجرائية و الواقعية الأبرز التي تواجه المحكمة الدستورية؛ حيث يقتضي دمج الانتقادات الفقهية المبدئية ضد آلية "التحفظ التأويلي" مع الوقائع السياسية و الاجتماعية التي تحيط بنص مشروع القانون رقم 66.23، صياغة محاكمة لهذه التقنية و بيان خطورتها على حل الأزمة المعروضة وفق المستويات التالية:
أولا: السقوط في فخ التشريع الإيجابي المقنع و المساس بفصل السلطات
تاريخيا، عارض الفقه الدستوري التوسع في التحفظات التأويلية لكونها تمثل نوعا من الاستيلاء الناعم من القاضي الدستوري على سلطة المشرع و قاضي الموضوع في آن واحد.
إن البرلمان وحده من يملك السيادة التشريعية صياغة و إرادة، بينما تنحصر مهمة المحكمة في الرقابة السلبية (القبول أو الإلغاء). عندما تلجأ المحكمة للتحفظ الإدماجي أو الإضافي لإنقاذ مواد مشروع قانون المحاماة، فهي في حقيقة الأمر تمسك القلم لتعيد صياغة قوانين موازية.
إذا قضت المحكمة، مثلا، بأن المادة 76 (رقابة المجلس الأعلى للحسابات) دستورية شريطة أن تنحصر في التدقيق المالي العام دون الاطلاع على هويات الأطراف أو سرية الملفات، فهي هنا تشرع نصا جديدا لم يخطر ببال البرلمان و لم تدونه الحكومة التي صاغت المشروع بإرادتها المنفردة. هذا التدخل يمس بمبدأ فصل السلطات و يحول المحكمة إلى مكتب تصحيح لغوي و موضوعي لعيوب السلطة التنفيذية و التشريعية.
ثانياً: توليد الانفصام النصي و إعدام الأمن القانوني
الأمن القانوني يقتضي أن تكون النصوص واضحة، متوقعة، و سهلة الوصول من طرف المواطن و الممارس القانوني.
التحفظ التأويلي يخلق حالة من الغموض عبر شق جسد النص، فيظل النص مكتوبا بصيغته الأصلية المعيبة، بينما معناه الحقيقي و الملزم هو التفسير المحفوظ في نص قرار المحكمة الدستورية. و لا يلغي هذا الانفصام نشر قرار المحكمة إلى جانب نص القانون في الجريدة الرسمية.
إن إجازة مقتضيات تسييج الحصانة أو منع الاحتجاج، على سبيل المثال، بتحفظات إرشادية، سيجعل المحامي و القاضي العادي في محاكم الموضوع أمام نصين: نص تشريعي ظاهر يتسم بالتطويق و التخويف، و نص دستوري باطن يحاول حماية الحقوق. هذا الانفصام يشتت اليقين القانوني بالنسبة للمحامي و للقضاء و يعقد عملية تنزيل النص القانوني على الوقائع المتغيرة.
ثالثا: انتفاء شرط الفراغ التشريعي و سقوط مبرر الضرورة الإجرائية
الحجة الأساسية و الجوهرية التي يستند إليها القضاء الدستوري المقارن لتبرير المخاطرة بإعمال آلية "التحفظ التأويلي" هي الضرورة الدستورية القاضية بتفادي الفراغ التشريعي القاتل الذي قد يشل المرفق العام للدولة. لكن في نازلة الحال، يسقط هذا المبرر بالكامل على اعتبار أن مهنة المحاماة بالمغرب ليست في حالة فراغ قانوني، بل هي مؤطرة بقانون قائم و متكامل و مستقر لما يقارب العقدين (القانون رقم 28.08). إن تطبيق القانون الجاري به العمل لم يفرز عيوبا بنيوية أو ثغرات جوهرية تهدد سير العدالة أو تعطل حقوق المتقاضين. و بالتالي في غياب خطر الفراغ، ينتفي شرط الاستعجال أو الاضطرار لإنقاذ النص المعيب. كما أن تصفية مشروع القانون رقم 66.23 و إسقاطه لعدم دستوريته لن يحدث أي هزة تشريعية أو إجرائية في الدولة، بل سيعيد الوضع مباشرة إلى الوضع القانوني الآمن و المستقر، و هو ما يجعل التمسك بالتحفظ التأويلي لإنقاذ النص تزيدا تقنيا لا مبرر له في الواقع.
رابعا: العجز البراغماتي للتحفظ التأويلي عن تنفيس الاحتقان و الحل القضائي للأزمة
إذا كانت المحكمة الدستورية ترى في التحفظ التأويلي مخرجا مرنا لتفادي الأزمات، فإن واقع الحال في هذه النازلة يثبت العكس تماما:
لقد وصل المحاميات و المحامون بالمغرب إلى قناعة جماعية راسخة بأن هذا المشروع في كليته الهيكلية و بنيته النسقية يمس جوهر كينونتهم، و استقلاليتهم، و حصانة دفاعهم. إن تمرير القانون بـ"تحفظات تأويلية فنية" لن يفهمه الجسم المهني الرافض للقانون، و سيبقي على حالة التوجس و الرفض قائمة، مما يعني استمرار المقاطعة و الشلل التام للمحاكم و ضياع حقوق المتقاضين و المحامين.
إن صدور قرار صريح بعدم دستورية المقتضيات الخلافية الجوهرية لخرقها وثيقة الدستور و الكتلة الدستورية و الالتزام بالملاءمة التشريعية، سيكون بمثابة الحل القضائي الآمن للأزمة الخانقة. هذا الإسقاط سينزع فتيل الاحتقان فورا، إذ سيعود المحامون إلى المحاكم منتصرين للشرعية الدستورية و يستعيد المرفق العام القضائي عافيته و يستأنف سيره العادي فورا لحماية مصالح المواطنين.
خامسا: الضبط الزمني للتشريع و ترحيل النص إلى الأفق السياسي لما بعد انتخابات شتنبر 2026
يمارس القضاء الدستوري في الديمقراطيات العريقة، كالمجلس الدستوري الفرنسي، ما يعرف بـ "الضبط الزمني للتشريع" و هو آلية قوامها ممارسة القاضي الدستوري لدور الحكم الاستشرافي الذي يراعي ليس فقط السلامة المعيارية الشكلية للنص، بل و أيضا توقيت صدوره، و جاهزيته المجتمعية، و سياقه السياسي و الانتخابي، ضمانا للاستقرار التشريعي و السلم الاجتماعي. و مفاد هذه التقنية الفلسفية و القضائية أن القضاء الدستوري عندما يرى قانونا ولد في أواخر ولاية برلمانية و حكومية متسمة بالاستقطاب، و بمنهجية أحادية تنعدم فيها المقاربة التشاركية و التوافق المجتمعي، فإنه يمارس "كبحا زمنيا" بإسقاط النص برمته أو إرجاء نفاذه لترحيل النقاش التشريعي إلى زمن سياسي جديد و أكثر ملاءمة، و مثال ذلك ما أرساه المجلس الدستوري الفرنسي في عدة قرارات بارزة (مثل القرار بشأن قانون التخطيط و القرار المتعلق بآليات التوظيف) حيث أبطل مقتضيات تشريعية أو حدد أثرا زمنيا لإلغائها تفاديا لإرباك المرفق العام في لحظات الانتقال السياسي و مراعاة لشرط القبول التشاركي، إذ يعتبر هذا الضبط الزمني وسيلة قضائية سامية لحماية التشريع من الشطط في أواخر الولايات الانتدابية و ضمان صياغة القوانين الكبرى الحاكمة للعدالة و الحريات داخل زمن سياسي متوازن يتيح التوافق، و يعزز الثقة في دولة الحق و القانون بعيدا عن منطق فرض الأمر الواقع.
و لا يخفى أن مشروع القانون رقم 66.23 يأتي في سياق سياسي خاص، يتسم بنهاية الولاية الحكومية الحالية و قرب المحطة الانتخابية التشريعية لشهر شتنبر القادم. و أن النص ولد في مناخ من الإرادة المنفردة و غياب المقاربة التشاركية الحقيقية مع الهيئات المهنية المعنية.
و عندما يرى القاضي الدستوري أن نصا قانونيا يفتقد للجاهزية و القبول المجتمعي و المهني، فإن إسقاطه كليا يعد خدمة للمسار الديمقراطي للدولة. إلغاء المشروع سيرحل النقاش التشريعي تلقائيا إلى الولاية التشريعية القادمة بعد شتنبر. هذا التأجيل يشكل فرصة ذهبية لإعادة صياغة النص تحت رعاية حكومة جديدة و بمنهجية مختلفة ترتكز على التوافق و المقاربة التشاركية الحقيقية، بعيدا عن منطق فرض الأمر الواقع، و تفاديا لأي تشويش خارجي على المسار الحقوقي للمملكة.
القسم الثالث: تفعيل تقنية "عدم القابلية للفصل" للإسقاط الكلي للنص
تأسيسا على خطورة خيار "التحفظ التأويلي" و ما يكتنفه من مجازفات تنعكس سلبا على الحماية الدستورية للحقوق التي يهددها النص التشريعي، تبرز تقنية "عدم القابلية للفصل" كمعيار إجرائي و فلسفي حاسم، و كآلية فنية فريدة تتيح سحب الجزاء الدستوري على مشروع القانون رقم 66.23 في كليته و إسقاطه برمته.
و لكي يستقيم إعمال هذه التقنية أمام المحكمة الدستورية، وجب تأصيلها عبر أربعة مستويات:
أولا: نظرية "الوحدة العضوية للنص"
ينطلق التأصيل الفلسفي لتقنية عدم القابلية للفصل من النظرية التي ترى أن القانون ليس مجرد تجميع حسابي أو تجزئة ميكانيكية لمواد و فصول مستقلة، بل هو كائن معياري متكامل تترابط أجزاؤه ترابطا بنيويا.
يبنى النص التشريعي، فلسفيا، على نواة صلبة توفر له المعنى و الغاية. و متى كان العيب الدستوري يمس هذه النواة التأسيسية، فإن الفساد يتسرب بالضرورة إلى بقية أجزاء النص عبر ما يعرف بعدوى عدم الدستورية.
و من ثمة فإن محاولة بتر المواد المشوبة بعدم الدستورية مع الإبقاء على الهيكل المتبقي، تشبه فلسفيا الإبقاء على جسد أفرغ من روحه و نواته المحركة، إذ سيعيد إنتاج مسخ تشريعي تفقد فيه المواد المتبقية منطقها الوظيفي و انسجامها الغائي.
ثانيا: حماية جودة التشريع و صيانة مبدأ الأمن القانوني
من المنظور الحقوقي و الدستوري الحديث، يرتبط مبدأ عدم القابلية للفصل ارتباطاً وثيقا بمبدأ الأمن القانوني و وضوح القاعدة التشريعية.
إن إسقاط المواد المتعلقة بحصانة الدفاع، و استقلالية الهيئات، و السر المهني، مع الإبقاء على المواد الإجرائية أو الضبطية، سيؤدي إلى خلق تشريع مبتور يعوزه الاتساق البنيوي، و يستحيل تنزيله عمليا دون السقوط في اللبس و الغموض و تضارب التأويلات لدى قضاة الموضوع و الممارسين.
و من الناحية الحقوقية، لا يحق للقاضي الدستوري أن يبتر أجزاء جوهرية من النص ثم يدعي حماية إرادة المشرع. فالمشرع عندما صاغ المشروع صاغه كلا متكاملا، و بتر الأجزاء الجوهرية يفرض على المجتمع نصا جديدا لم تتوجه إليه إرادة البرلمان أصلا، مما يمثل مساسا بحقوق المواطنين و المتقاضين في تشريع واضح و مفهوم و متناسق.
ثالثا: معايير التفرقة بين البتر الجراحي و الإسقاط الشامل
خاض الفقه الدستوري المقارن عميقا في تحديد معايير إعمال تقنية عدم القابلية للفصل، و استقر على محددين أساسيين لإسقاط النص بكليته:
المعيار الموضوعي (الرابط العضوي): يتحقق عندما تكون المواد غير الدستورية مرتبطة بالمواد الدستورية المتبقية بمثابة الشرط و المشروط أو السبب و المسبب. و في نازلة الحال، فإن أداء المحامي لمهامه (المواد الإجرائية) مرتبط بشرط وجود حصانة و ضمانات استقلالية (المواد المشوبة بالخلل) فإذا سقط الشرط بطل المشروط.
المعيار الشخصي والنفسي (المحرك الأساسي للتشريع): و يتحقق بالبحث عما إذا كانت المواد غير الدستورية تشكل "الدافع الأساسي" الذي من أجله سن القانون. و بما أن مشروع القانون رقم 66.23 بني في أصله على فلسفة ضبطية و توجيهية جديدة لمهنة المحاماة، فإن سحب هذه الأركان يجرد المشروع من دافعه الأساسي، مما يفرض سحب الجزاء على النص برمته.
رابعاً: امتدادات الاجتهاد الدستوري
تستند تقنية عدم القابلية للفصل إلى رصيد قضائي متين يكرس مشروعية إعمالها:
القضاء الدستوري الفرنسي: كرس المجلس الدستوري الفرنسي هذه الآلية في العديد من القرارات البارزة (مثل القرارات المتعلقة بقوانين المالية و قوانين التخطيط) حيث أكد أنه إذا تبين أن المقتضيات غير المطابقة للدستور غير قابلة للفصل عن باقي أحكام النص المعروض، فإن الصريح بعدم الدستورية يجب أن يمتد إلى النص في كليته.
القانون التنظيمي والممارسة الدستورية المغربية: يجد هذا المبدأ سنده الصريح في الترسانة القانونية المؤطرة لعمل المحكمة الدستورية (لاسيما أحكام القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية)، و التي تتيح للقاضي الدستوري عندما يتبين له أن عدم الدستورية يطال مقتضيات تشكل النسيج الأساسي للتشريع المحال، ألا يقتصر على التصريح بعدم دستورية المواد المعيبة فرادى، بل أن يقضي بعدم مطابقة المشروع بكامله للدستور متى كانت تلك المواد غير قابلة للفصل عن بقية أحكامه.
تأسيسا على هذا التقعيد الرباعي، يثبت يقينا أن الخلل الدستوري الذي يكتنف مشروع القانون رقم 66.23 لا يطال تفاصيل هامشية أو مساطر تقنية يمكن بترها بسلام و دون إحداث خلل. بل إن المقتضيات المشوبة بعدم الدستورية (المتصلة بالمساس بحصانة الدفاع، و التنظيم الذاتي، و السر المهني، و رقابة الحسابات، و استقلال المهنة) تمثل العمود الفقري و النسيج العضوي و الفلسفي الذي يتأسس عليه القانون برمته.
بناء عليه، فإن إعمال المشرط القضائي الجزئي سيفضى إلى إنتاج نص مشوه و فاقد للاتساق البنيوي، مما يجعل تقنية عدم القابلية للفصل هي الخيار الفني الأمثل الذي يفرض إعلان عدم مطابقة مشروع القانون رقم 66.23 للدستور في كليته، حماية لهيبة الوثيقة الدستورية، و صيانة للأمن القانوني، وتكريسا لريادة المدرسة الدستورية المغربية.
خاتمة استشرافية لقرار المحكمة الدستورية
إن المحكمة الدستورية المغربية و هي تزن مشروع القانون رقم 66.23 بميزان الشرعية الدستورية، تقف أمام لحظة فاصلة لتأكيد خياراتها الحقوقية و القضائية.
إن لجوء المحكمة الدستورية، في ظل الوضوح الصارخ للانتهاكات المرصودة في النص المعروض على رقابتها، إلى تقنية "التحفظ التأويلي" عبر محاولة إجازة مواد المشروع شريطة تفسيرها بقراءات مطابقة للدستور، كأن تقرر دستورية المادة 76 شريطة عدم المساس بالسر المهني، أو دستورية المادة 77 شريطة مراعاة حق الدفاع، لن يكون في هذا السياق مجرد اختيار تقني مرن بل سيشكل مؤشرا صريحا على اختيار قضائي دستوري محافظ و متردد.
إن هذا الخيار المحافظ سيعبر في العمق عن إرادة و سياسة قضائية ترفض حماية مهنة المحاماة في المغرب و تتنصل من تمكينها من أدوارها الجوهرية في صيانة حقوق التقاضي و الدفاع و المحاكمة العادلة. فالتحفظ التأويلي في مثل هذه النازلة سيسقط المحكمة في فخ التشريع الإيجابي المقنع عبر إعادة صياغة نصوص صيغت في أصلها بمنطق الوصاية و الضبط الإداري، كما سيتسبب في خلق انفصام نصي يشتت الأمن القانوني للممارسين و القضاة في محاكم الموضوع.
فضلا عن ذلك، فإن مبرر إعمال التحفظ التأويلي القائم على تفادي الفراغ التشريعي منتف بالكامل، لكون المهنة مؤطرة بقانون متكامل و قائم (القانون رقم 28.08) و بالتالي فإن إسقاط المشروع برمته لن يخلف أي فراغ، بل سيعيد الوضع إلى حالة الاستقرار التشريعي و الأمن القانوني.
إن الواجب الاستراتيجي للمحكمة الدستورية يقتضي منها إعمال آلية "عدم القابلية للفصل" و الاقرار بأن هذه المواد المشوبة بعدم الدستورية تشكل النسيج الهيكلي لمشروع القانون رقم 66.23، مما يجعل بترها تشويها للنص المتبقي.
إن المحكمة الدستورية المغربية و هي تفصل في دستورية المشروع رقم 66.23، لا تحاكم مجرد مقتضيات قانونية، بل تحاكم مدى احترام المشرع للالتزام بالملاءمة التشريعية و لرؤية السلطة التنفيذية لمفهوم العدالة و حقوق الإنسان و رسالة الدفاع بالمملكة. و إن إعلاء كلمة الدستور يقتضي من قضاة المحكمة التخلي عن مشرط الترميم (التحفظ التأويلي) المتجاوز في هذه النازلة، و إعمال مشرط القطع البنيوي لحماية هيبة وثيقة الأمة الأسمى.
و تأسيسا على ما تقدم فإن المحكمة الدستورية المغربية تقف اليوم أمام موعد تاريخي لحماية سمو الدستور و صيانة روح العدالة، إذ أن المساس باستقلالية مهنة المحاماة و حصانة الدفاع هو تقويض للنسيج القانوني و الدستوري بأكمله، و إخلال صريح بالمبادئ الكونية و الأمن القضائي. و عليه، فإن حماية هذه الثوابت تقتضي القضاء بعدم دستورية مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة برمته.
إن هذا القرار، متى صدر، لن يكون مجرد فصل في نزاع قطاعي، بل سيسجل اسم المحكمة الدستورية المغربية بمداد من ذهب في سجل القضاء الدستوري العالمي، كنموذج للمحاكم الشجاعة التي استعملت "الكتلة الدستورية" و اختبار الملاءمة المركب لتصون حق الدفاع، و ترسخ دعائم دولة الحق و القانون، و تحقق القفزة التاريخية المأمولة في الحماية الدستورية لحقوق الإنسان.
