هل تعيد الملفات الحكومية المتعثرة رسم ملامح التنافس الانتخابي؟

الكاتب : انس شريد

15 August 2026 - 09:30
الخط :

يدخل المشهد السياسي المغربي مرحلة دقيقة مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة في شتنبر المقبل، حيث تتسارع وتيرة التحضيرات داخل مختلف الأحزاب السياسية، في سياق يتسم بارتفاع منسوب التنافس حول القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي ظلت خلال السنوات الأخيرة محور نقاش عمومي واسع.

ولم يعد الصراع الانتخابي محصوراً في الشعارات العامة، بل بات يرتكز بشكل متزايد على تقييم حصيلة التدبير الحكومي، خصوصاً في ما يتعلق بالملفات التي وُصفت بالمتعثرة أو التي لم تحقق النتائج المنتظرة لدى فئات واسعة من المواطنين.

وتجد الحكومة الحالية، التي يقودها ائتلاف يضم التجمع الوطني للأحرار والاستقلال والأصالة والمعاصرة، نفسها في قلب هذا النقاش، في ظل تزايد الانتقادات المرتبطة بملفات التشغيل والقدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، إلى جانب تحديات إصلاح أنظمة التقاعد وتعميم الحماية الاجتماعية.

وهي قضايا لم تعد مجرد عناوين في البرامج السياسية، بل تحولت إلى محددات أساسية في توجهات الناخبين، بالنظر إلى تأثيرها المباشر على الحياة اليومية للمواطنين.

في المقابل، تسعى أحزاب المعارضة إلى استثمار هذا السياق عبر تقديم نفسها كبديل سياسي قادر على إعادة توجيه السياسات العمومية، مع التركيز على ما تعتبره اختلالات في تدبير المرحلة الحالية.

ويبرز في هذا الإطار خطاب سياسي يتجه نحو رفع سقف الانتقادات، مقروناً بوعود بتبني مقاربات جديدة في معالجة الملفات الاجتماعية والاقتصادية، بما يعزز فرص استقطاب الناخبين الباحثين عن تغيير ملموس في أوضاعهم المعيشية.

ويأتي هذا التوجه في وقت يشهد فيه النقاش السياسي عودة قوية لملفات ذات حساسية اجتماعية، من قبيل إصلاح منظومة التقاعد، الذي يقترب من نهاية الولاية الحكومية دون حسم نهائي، رغم التحذيرات المتكررة بشأن هشاشة التوازنات المالية لعدد من الصناديق.

كما يبرز ملف “مدخول الكرامة” باعتباره أحد أبرز الالتزامات الاجتماعية التي لم تر النور بعد وفق الصيغة المعلنة، رغم تعهد الحكومة بتمكين الأشخاص البالغين 65 سنة فما فوق من دعم لا يقل عن 1000 درهم شهرياً في أفق سنة 2026.

ويوازي ذلك تصاعد النقاش حول القدرة الشرائية، في ظل استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة، ما جعل هذا الملف في صدارة أولويات الخطاب الانتخابي

. ولم يعد الحديث عن الأسعار والدعم الاجتماعي مقتصراً على التحليل الاقتصادي، بل تحول إلى ورقة سياسية بامتياز، تتنافس الأحزاب على توظيفها لإبراز تباين تصوراتها بشأن التدخل العمومي وحدود السوق.

وفي هذا السياق، برزت مواقف قيادات حزبية تعكس هذا التحول في طبيعة الخطاب السياسي، حيث شدد عدد من الفاعلين على أن المشاركة الحكومية لم تعد هدفاً في حد ذاته، بل ينبغي أن ترتبط ببرامج واضحة وقابلة للتنفيذ، تستجيب لتطلعات المواطنين وتقدم حلولاً عملية للإشكالات المطروحة.

ويعكس هذا التوجه محاولة لإعادة بناء الثقة في العمل السياسي، في ظل مؤشرات على تراجع الثقة في المؤسسات التمثيلية.

كما تتجه الأحزاب إلى إعادة صياغة برامجها الانتخابية بشكل أكثر دقة، من خلال الانتقال من التصورات العامة إلى التزامات محددة قابلة للقياس والتقييم.

ويظهر هذا التوجه في اعتماد بعض الأحزاب لصيغ تقوم على تقديم تعهدات رقمية واضحة، في محاولة لإقناع الناخبين بجدية الطرح السياسي وربطه بمنطق المحاسبة.

ولا يقتصر التنافس الانتخابي على القضايا الحضرية، بل يمتد بشكل متزايد إلى العالم القروي، الذي أصبح بدوره محوراً رئيسياً في البرامج الحزبية، في ظل استمرار الفوارق المجالية بين المدن والقرى.

وقد تحولت قضايا البنيات التحتية والخدمات الأساسية وفرص الشغل في المناطق القروية إلى رهانات انتخابية، تسعى الأحزاب من خلالها إلى كسب دعم شريحة واسعة من الناخبين.

وفي هذا الإطار، تتعدد المقترحات المتعلقة بتأهيل العالم القروي، بين الدعوة إلى إحداث أقطاب تنموية قروية، وتعزيز الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، ودعم التعاونيات، وصولاً إلى مقترحات أكثر شمولية تدعو إلى إحداث هياكل حكومية مخصصة لتدبير هذا المجال. ويعكس هذا التنوع في الطروحات إدراكاً متزايداً لأهمية تحقيق تنمية متوازنة كمدخل لتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.

إلى جانب ذلك، يفرض ورش مراجعة مدونة الأسرة نفسه كأحد الملفات ذات الطبيعة الخاصة، بالنظر إلى ارتباطه بالبنية القيمية للمجتمع.

ويشكل هذا الورش اختباراً لقدرة الفاعل السياسي على التوفيق بين متطلبات الإصلاح والحفاظ على التماسك الاجتماعي، بعيداً عن منطق الاستقطاب الإيديولوجي.

كما يبرز كأحد المواضيع التي قد تؤثر في النقاش الانتخابي، وإن بشكل غير مباشر، من خلال ارتباطه بقضايا الحقوق والتحولات الاجتماعية، خاصة أن الحكومة الحالية لم تصادق عليه.

وفي موازاة هذه الملفات، عاد موضوع الهجرة واللجوء إلى واجهة النقاش، مع دعوات متزايدة لإدراجه ضمن البرامج الانتخابية، في ظل التحولات التي يعرفها موقع المغرب في خريطة الهجرة الدولية.

وتشير المعطيات إلى أن أكثر من 50 ألف شخص استفادوا من عمليات تسوية الوضعية الإدارية منذ سنة 2014، وهو ما يطرح تحديات جديدة على مستوى الإطار القانوني والمؤسساتي، ويجعل من هذا الملف أحد القضايا التي تتطلب مقاربات سياسية وتشريعية متكاملة.

ومع اقتراب موعد الاقتراع في 23 شتنبر 2026، تتجه الأنظار إلى كيفية توظيف هذه الملفات في الحملة الانتخابية، حيث يبدو أن المعارضة تراهن على تحويل حصيلة الحكومة إلى محور رئيسي في المواجهة السياسية، مقابل سعي أحزاب الأغلبية إلى الدفاع عن منجزاتها وتقديم مبررات التأخر في بعض الأوراش.

وفي ظل هذا التوازن، يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت الملفات المتعثرة ستتحول فعلاً إلى ورقة حاسمة في تحديد نتائج الانتخابات، أم أن الناخب سيوازن بين الحصيلة والوعود، في ضوء معطيات معقدة تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

آخر الأخبار