المغرب وإسبانيا.. 22.7 مليار أورو تكشف عمق الترابط الاقتصادي بين البلدين

الكاتب : الجريدة24

24 August 2026 - 09:00
الخط :

كشفت معطيات أوردتها وكالة الأنباء الإسبانية الرسمية "EFE" أن العلاقات الاقتصادية بين المغرب وإسبانيا بلغت خلال سنة 2025 مستوى متقدماً من الترابط، بعدما وصلت قيمة المبادلات التجارية بين البلدين إلى نحو 22.757 مليار يورو، في مؤشر يعكس حجم المصالح المشتركة التي باتت تربط الاقتصادين على امتداد السنوات الأخيرة.

وتتجاوز طبيعة هذه العلاقات حدود المبادلات التجارية التقليدية، حسب تقرير "EFE"، بعدما أصبحت مرتبطة بمجموعة واسعة من القطاعات الحيوية، من صناعة السيارات والنسيج إلى السياحة والخدمات، فضلاً عن الملفات اللوجستية والهجرة والأمن، وهي عناصر جعلت العلاقة بين الرباط ومدريد ذات أبعاد استراتيجية تتجاوز الحسابات الاقتصادية الصرفة.

ويبرز المغرب بالنسبة إلى إسبانيا كسوق قريبة ذات أهمية متزايدة، بينما تمثل إسبانيا بالنسبة إلى المملكة بوابة أساسية نحو الأسواق الأوروبية، مستفيدة من الموقع الجغرافي ومن شبكة البنيات التحتية والروابط التجارية التي تعززت بين الجانبين خلال السنوات الماضية.

وتشير المعطيات التجارية إلى أن الميزان التجاري ظل تاريخيا يميل لفائدة إسبانيا، رغم تسجيل المبادلات الثنائية نموا قويا خلال العقد الماضي. وبعد ارتفاع وتيرة المبادلات بنسبة 12.8 في المائة سنة 2017، دخل النمو خلال السنوات اللاحقة مرحلة أكثر اعتدالاً، حيث استقرت الزيادة في مستويات تقل عن 3 في المائة ابتداء من سنة 2018.

وخلال السنة الماضية، سجلت الصادرات الإسبانية نحو المغرب تراجعاً بنسبة 4.1 في المائة، في ارتباط، وفق المعطيات الواردة في التقرير، بانخفاض مبيعات المحروقات نتيجة ارتفاع واردات المغرب من الديزل الروسي، في حين ارتفعت الواردات الإسبانية من المملكة بنسبة 6 في المائة.

ورغم هذه التطورات، حافظت إسبانيا على موقعها كأهم شريك تجاري ثنائي للمغرب داخل الاتحاد الأوروبي، الذي يمثل بدوره الشريك التجاري الرئيسي للمملكة. ووفق معطيات المكتب الإسباني للتجارة الخارجية «ICEX»، بلغت صادرات الاتحاد الأوروبي نحو المغرب 34.148 مليار يورو سنة 2024، مقابل واردات أوروبية من المملكة بلغت 26.958 مليار يورو.

وتؤكد أرقام النصف الأول من سنة 2026 استمرار الدينامية التجارية بين البلدين، إذ ارتفعت الصادرات الإسبانية نحو المغرب بنسبة 3.5 في المائة لتصل إلى 6.420,5 مليارات يورو، وهو ما يمثل 3.2 في المائة من إجمالي المبيعات الإسبانية إلى الخارج، بينما زادت الواردات الإسبانية من المغرب بنسبة 4.1 في المائة لتبلغ 5.795,5 مليارات يورو.

وتحتل صناعة مكونات السيارات موقعاً مركزياً في هذه الشراكة، بعدما أصبح القطاع واحداً من أهم محركات التصنيع المغربي وأكثر القطاعات ارتباطاً بالسوق الأوروبية. وتشير المعطيات إلى أن نحو 90 في المائة من الإنتاج المغربي في قطاع السيارات موجه إلى الأسواق الخارجية، فيما يمثل الاتحاد الأوروبي الوجهة الرئيسية لهذه الصادرات.

وتستحوذ إسبانيا على نحو 20 في المائة من إجمالي صادرات السيارات المغربية، في وقت تعزز فيه شركات أوروبية كبرى حضورها الصناعي بالمملكة، وعلى رأسها "Renault" من خلال مصنعيها في طنجة والدار البيضاء، و"Stellantis" عبر وحدتها الصناعية في القنيطرة.

كما يواصل عدد من الشركات الإسبانية المتخصصة في صناعة مكونات السيارات توسيع حضورها بالمغرب، ومن بينها "Gestamp" و"Antolín" و"CIE" و"Ficosa"، في ظل تنامي اهتمام الموردين الإسبان بالمنظومة الصناعية المغربية التي أصبحت مرتبطة بشكل وثيق بسلاسل الإنتاج الأوروبية.

ويشير تقرير "ICEX" إلى أن تجمع الشركات بجهة إقليم الباسك يضم وحده أكثر من 90 شركة تعمل في مجال توريد مواد متقدمة لصناعة السيارات، بما فيها مكونات مرتبطة بالتوجه نحو صناعات أكثر استدامة، الأمر الذي يعكس اتساع نطاق التعاون الصناعي بين البلدين.

وتستفيد هذه الشراكة من عامل جغرافي يصعب تعويضه، إذ تمنح القرب بين المغرب وإسبانيا الشركات قدرة أكبر على تدبير سلاسل الإمداد وتقليص المسافات الزمنية واللوجستية مقارنة بمنافسين يوجدون في مناطق أبعد من السوق الأوروبية.

لكن أهمية هذه العلاقة لا تعني أن الطرفين يتأثران بالقدر نفسه بأي توتر اقتصادي محتمل، إذ تشير القراءة التي أوردتها "EFE" إلى أن أي اضطراب كبير في المبادلات التجارية سيكون مكلفا للجانبين، غير أن قدرة الاقتصاد الإسباني على استيعاب الصدمات تظل أكبر بالنظر إلى حجمه وتنوع أسواقه الخارجية.

في المقابل، قد تكون التداعيات بالنسبة إلى المغرب أكثر ارتباطاً بالبنية الصناعية وسوق الشغل، خصوصاً في القطاعات التي تعتمد على الاستثمارات الأجنبية والتصدير نحو أوروبا. كما أن أي اضطراب طويل الأمد قد يؤثر على صورة المملكة باعتبارها منصة صناعية موجهة إلى السوق الأوروبية.

ولا تقتصر التأثيرات المحتملة على الأرقام التجارية، إذ يمكن لأي توتر اقتصادي كبير أن ينعكس أيضا على ثقة المستثمرين الدوليين الذين ينظرون إلى العلاقة المغربية الإسبانية باعتبارها أحد المكونات الأساسية لاندماج المملكة في سلاسل القيمة الأوروبية.

ويبرز قطاع النسيج بدوره ضمن القطاعات الأكثر ارتباطاً بالسوق الإسبانية، حيث يعتمد جزء مهم من الصناعة المغربية على تصدير الملابس إلى الاتحاد الأوروبي، مع حضور قوي للشركات والعلامات الإسبانية في منظومة الإنتاج والتوزيع.

وتشكل مجموعة "Inditex" إحدى أبرز حلقات هذا الترابط، إذ تعتمد المجموعة على شبكة من الموردين والمصنعين موزعة على عشرة تجمعات صناعية، من بينها تجمع في المغرب، فيما تتوفر المجموعة على 35 متجرا داخل المملكة، وهو ما يعكس طبيعة الحضور الإسباني المتداخل مع النسيج الاقتصادي المغربي.

وبالتوازي مع الصناعة والتجارة، يشكل القطاع السياحي أحد أهم جسور التعاون الاقتصادي بين البلدين، بعدما أصبحت إسبانيا ثاني أكبر سوق مصدرة للسياح نحو المغرب، خلف فرنسا، حيث بلغ عدد السياح الإسبان الذين زاروا المملكة خلال سنة 2025 نحو 4.6 ملايين سائح، بزيادة سنوية بلغت 12 في المائة.

ويضع المغرب السياحة ضمن ركائز استراتيجيته للنمو الاقتصادي وتعزيز حضوره على الساحة الدولية، مع طموح للارتقاء إلى قائمة أكبر 15 وجهة سياحية في العالم، وهو ما يفتح المجال أمام الشركات الإسبانية للاستفادة من فرص الاستثمار المرتبطة ببناء وتجديد المنشآت الفندقية والبنيات السياحية.

ويأتي ذلك في ظل حضور شركات إسبانية كبرى في القطاع السياحي المغربي، من بينها "Barceló" و"Be Live" و"Meliá" و"Iberostar"، التي راكمت حضورا في السوق المغربية وتستفيد من النمو المتواصل للطلب السياحي.

وبين التجارة والصناعة والسياحة، تكشف هذه الأرقام أن العلاقة الاقتصادية بين المغرب وإسبانيا لم تعد مجرد شراكة تجارية عابرة، بل تحولت إلى شبكة مصالح متداخلة تشمل الإنتاج والاستثمار وسلاسل الإمداد والسياحة والخدمات.

ومع بلوغ المبادلات 22.757 مليار أورو خلال سنة 2025، يبدو أن مستقبل هذه العلاقة سيظل مرتبطا بقدرة البلدين على الحفاظ على الاستقرار وتعزيز التعاون، خصوصاً في القطاعات التي أصبحت تشكل العمود الفقري للشراكة الاقتصادية بين الرباط ومدريد.

آخر الأخبار