انتخابات 2026.. هل تملك الأحزاب وصفة لكسر قبضة المضاربين على الأسواق؟
مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، تتصدر القدرة الشرائية ومحاربة ارتفاع الأسعار واجهة النقاش الانتخابي، في ظل استمرار الجدل حول الأدوار التي تلعبها المضاربة وتعدد حلقات الوساطة في رفع كلفة عدد من المنتجات الأساسية.
وبينما تتنافس الأحزاب على تقديم برامج تستجيب لمخاوف الأسر، تتجه الوعود الانتخابية نحو إعادة تنظيم أسواق الجملة ومسالك التوزيع، وتشديد الرقابة على الأسعار والممارسات التجارية، وتقليص الفجوة بين سعر المنتج عند المصدر والسعر الذي يؤديه المستهلك.
وتجمع البرامج والمقترحات الحزبية، رغم اختلاف مقارباتها، على أن معالجة غلاء الأسعار لا ترتبط فقط بمستوى الإنتاج، وإنما أيضا بطريقة انتقال السلع من المنتج إلى المستهلك.
فكلما تعددت حلقات الوساطة، واتسعت هوامش الربح غير المرتبطة بقيمة اقتصادية مضافة، ارتفعت الكلفة النهائية للمنتوج، وهو ما يجعل إصلاح منظومة التوزيع أحد أبرز المداخل التي تطرحها الأحزاب خلال هذه المحطة الانتخابية.
ويضع حزب الأصالة والمعاصرة إعادة تنظيم مسالك التوزيع في مقدمة تصوراته لمحاصرة ارتفاع الأسعار، من خلال إحداث مؤسسات جهوية للتوزيع تتولى الربط المباشر بين المنتجين ونقاط البيع، مع تقليص عدد الوسطاء وإخضاع العمليات التجارية لقواعد أكثر وضوحا وشفافية.
ويستند هذا التصور إلى فكرة مفادها أن تقليص حلقات الوساطة يمكن أن يتيح للمستهلك الاستفادة من أسعار أقرب إلى كلفة الإنتاج، مع حماية المنتج من الضغوط التي قد تفرضها شبكات الوساطة غير المنظمة.
ويقترح الحزب، في هذا السياق، إحداث ست شركات جهوية للتوزيع الفلاحي تغطي عددا من الأحواض الإنتاجية، من بينها سوس وتادلة والغرب واللوكوس ودكالة عبدة والشرق، على أن تضطلع بدور حلقة منظمة بين المنتج وبائع التقسيط.
كما يربط هذا التصور بإخضاع تلك المؤسسات لدفاتر تحملات واضحة، وآليات للتدقيق والشفافية في تحديد الهوامش التجارية، بما يسمح بتتبع مسار المنتجات والحد من الأرباح غير المبررة.
ولا يقف تصور الأصالة والمعاصرة عند إعادة ترتيب حلقات الوساطة، بل يمتد إلى تحديث البنية التحتية للأسواق، من خلال عصرنة أسواق الجملة وإنشاء منصات متعددة الخدمات تستوعب منتجات فلاحية وبحرية مختلفة، إلى جانب تطوير مرافق التخزين والتبريد والتوضيب واعتماد أنظمة رقمية لتتبع المعاملات.
ويراهن الحزب على أن هذه الإجراءات ستساهم في تقليص الخسائر التي تلحق بالمنتجات خلال مراحل النقل والتخزين، وفي توفير معطيات أكثر دقة حول حركة السلع والأسعار.
وفي قطاع الصيد البحري، يقترح الحزب إنشاء وحدات للتبريد في عدد من موانئ الصيد التقليدي، بما يتيح للمنتجين تخزين منتجاتهم وعدم الاضطرار إلى تسويقها تحت ضغط الزمن، وهو ما من شأنه، وفق هذا التصور، تحسين موقعهم التفاوضي وتقليص بعض الاختلالات التي تعرفها عملية تحديد الأسعار بين مرحلة الإنتاج والبيع النهائي.
كما يربط الحزب إصلاح منظومة التوزيع بالسياسة الفلاحية، من خلال إعادة توجيه جانب من الدعم والحوافز نحو الإنتاج الموجه للسوق الوطنية، وربط بعض أشكال الدعم بشروط تتعلق بتوفير جزء من الإنتاج للاستهلاك الداخلي.
ويشمل التصور كذلك مواصلة الجهود الرامية إلى إعادة بناء القطيع الوطني، إلى جانب تحديث أسواق المواشي والمجازر وتعزيز شفافية هوامش الربح في سلسلة تسويق اللحوم الحمراء.
وفي مواجهة ما يعتبره اختلالات مرتبطة بتوجيه جزء من الإنتاج نحو الأسواق الخارجية، يدعو الأصالة والمعاصرة إلى إعادة تنظيم الصادرات الفلاحية من خلال آليات للمراقبة والترخيص، بما يضمن، بحسب رؤيته، عدم الإضرار بتموين السوق الوطنية.
كما يقترح إحداث آلية لمحاربة ما يسميه الوساطة الطفيلية، بتنسيق مع المؤسسات المعنية بالمنافسة، مع تعزيز الجانب الزجري ونشر القرارات والعقوبات المرتبطة بالممارسات المخالفة لقواعد المنافسة.
من جهته، يركز حزب العدالة والتنمية على إصلاح المنظومة القانونية لأسواق الجملة، معتبرا أن معالجة الاختلالات التي تطبع هذه الأسواق تمثل مدخلا أساسيا للحد من المضاربة وتعدد الوسطاء.
ويقترح الحزب تقليص مساحات الوساطة غير المنتجة، ومحاربة الاحتكار، وتعزيز مراقبة الأسعار وجودة المنتجات، إلى جانب تفعيل لجان المراقبة وتشديد العقوبات في حق المتورطين في ممارسات مضرة بالمنافسة وبمصالح المستهلك.
ويمتد تصور العدالة والتنمية إلى قطاع المحروقات، من خلال الدعوة إلى مراجعة هوامش الأرباح المرتبطة بالاستيراد والتوزيع، وربط ذلك بإجراءات يعتبرها الحزب ضرورية لتعزيز المنافسة وخفض الضغط الذي تمارسه كلفة الطاقة على الاقتصاد والأسر.
كما يطرح الحزب إعادة تشغيل مصفاة سامير ضمن مقاربته المتعلقة بأمن الطاقة وكلفة المحروقات.
أما حزب الاستقلال، فيقترح اعتماد آلية أكثر انتظاما لمراقبة أسعار المواد الأساسية، تقوم على تحليل مكونات التكلفة وتتبع هوامش الربح عبر مختلف مراحل سلسلة التوزيع.
ويضع الحزب تعزيز دور مجلس المنافسة ضمن الأدوات التي يمكن أن تساهم في مواجهة الممارسات الاحتكارية، إلى جانب إصلاح أسواق الجملة وإعادة النظر في مسالك توزيع المنتجات الأساسية.
وتتقاطع هذه الرؤية مع مقاربة الحركة الشعبية، التي تدعو إلى تطوير آليات رقمية لتتبع الأسعار ورصد تطورها، مع إعادة النظر في سياسة تصدير بعض المنتجات عندما يؤدي ذلك إلى التأثير في توازن السوق الوطنية.
كما يولي الحزب أهمية لإصلاح أسواق الجملة باعتبارها إحدى الحلقات الأساسية التي تمر عبرها المنتجات قبل وصولها إلى المستهلك.
ويقدم التجمع الوطني للأحرار بدوره مواجهة المضاربة وتعدد الوسطاء باعتبارها جزءا من معركة حماية القدرة الشرائية واستقرار الأسعار. ويركز الحزب على تسريع إخراج الإطار القانوني الجديد المنظم لأسواق الجملة، مع تقليص حلقات الوساطة التي لا تضيف قيمة اقتصادية واضحة بين المنتج والمستهلك.
كما يولي التجمع أهمية للرقمنة باعتبارها أداة لتتبع مسار المنتجات الفلاحية والغذائية منذ خروجها من الضيعة وصولا إلى أسواق البيع والتقسيط.
ومن شأن هذا المسار، وفق التصور المعلن، توفير قدر أكبر من الشفافية حول حركة السلع والأسعار، والمساعدة على رصد ممارسات من قبيل الاحتكار أو التخزين غير المشروع.
وبين اختلاف الأدوات وتعدد المقترحات، يبدو أن الأحزاب تتفق على تشخيص جزء أساسي من المشكلة، يتمثل في هشاشة بعض حلقات التوزيع وتعدد المتدخلين وضعف الشفافية في تحديد الأسعار.
غير أن الاختبار الحقيقي لأي برنامج لن يكون في قدرته على توصيف الظاهرة، وإنما في مدى قابلية الإجراءات المقترحة للتنفيذ ونجاعتها في تغيير الواقع اليومي للمستهلك والمنتج على حد سواء.