منع استغلال الأجراء يتحول إلى ورقة ساخنة في سباق الأحزاب
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، تتجه المنافسة السياسية في المغرب نحو ملفات اجتماعية واقتصادية ترتبط بشكل مباشر بالحياة اليومية للمواطنين، في مقدمتها أوضاع الأجراء وظروف العمل ومدى احترام القواعد القانونية المؤطرة للعلاقات المهنية.
وفي الوقت الذي تكثف فيه الأحزاب السياسية تحركاتها خلال الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية، برز ملف حماية الشغيلة ومواجهة التجاوزات المرتبطة بساعات العمل والتصريح بالأجراء والتغطية الاجتماعية ضمن عدد من التصورات والبرامج الانتخابية، في ظل استمرار النقاش حول واقع سوق الشغل وحدود فعالية آليات المراقبة.
ويطرح هذا الملف نفسه بقوة في سياق يعرف انتشاراً للأنشطة الاقتصادية غير المهيكلة، إلى جانب ممارسات مرتبطة بتجاوز المدة القانونية للعمل أو عدم استفادة بعض الأجراء من حقوقهم الاجتماعية، الأمر الذي يجعل جهاز تفتيش الشغل إحدى الواجهات الأساسية في أي نقاش يتعلق بضمان احترام التشريعات المنظمة للعمل.
ومع اقتراب موعد الاقتراع الذي سيحدد تركيبة مجلس النواب المكون من 395 مقعداً، وما سيترتب عنه من تشكيل أغلبية جديدة وحكومة ستتولى تدبير السياسات العمومية خلال الولاية المقبلة، اختارت بعض الأحزاب إدراج إصلاح منظومة تفتيش الشغل وتقوية آليات حماية الأجراء ضمن التزاماتها الانتخابية، بينما غاب هذا الملف عن البرامج المعلنة لبعض الأحزاب الأخرى المتنافسة على أصوات الناخبين.
وفي هذا السياق، قدم حزب الأصالة والمعاصرة تقوية جهاز تفتيش الشغل ضمن مقترحاته المرتبطة بتنظيم سوق العمل، مع التركيز على توظيف الوسائل الرقمية والمتخصصة لتتبع المخالفات وتحسين قدرة أجهزة المراقبة على رصد الاختلالات.
ويشمل التصور المطروح ربط الاستفادة من الدعم العمومي باحترام مجموعة من الالتزامات المرتبطة بما يسمى "الشغل اللائق"، من خلال اشتراط وجود عقود عمل مصرح بها، والاستفادة من التغطية الاجتماعية، واحترام المدة القانونية للعمل.
أما تحالف اليسار الديمقراطي فقد قدم تصورا يقوم على إعادة تقوية جهاز تفتيش الشغل ومنحه وسائل بشرية ومادية أكبر، إلى جانب توسيع صلاحياته بما يسمح له بالتعامل بصورة أكثر فعالية مع المخالفات المرتبطة بتشريعات العمل.
ويتضمن البرنامج الانتخابي للتحالف التزاما بمضاعفة عدد مفتشي الشغل ثلاث مرات، مع إحداث سلك مستقل لمفتشية الشغل، في خطوة يقول التحالف إنها تستهدف تعزيز حماية الأجراء ومنح المفتشين استقلالية أكبر وصلاحيات زجرية أكثر فعالية.
ويربط التحالف هذا التصور بضرورة توفير موارد مالية إضافية للجهاز، محدداً كلفة تقوية مفتشية الشغل في غلاف مالي سنوي يصل إلى 700 مليون درهم، وفق ما تضمنه برنامجه الانتخابي.
ولا يقف تصور التحالف عند حدود المراقبة التقليدية لعلاقات الشغل، بل يشمل أيضاً العاملات والعمال المنزليين، من خلال الدعوة إلى تفعيل المقتضيات القانونية المتعلقة بهذه الفئة وإحداث جهاز تفتيش متخصص، إلى جانب اعتماد آلية مبسطة للتصريح بالعمال عبر منصة عمومية، وفرض الاستفادة من التغطية الاجتماعية.
كما يتضمن البرنامج مقترحات لتوسيع نطاق المراقبة في عدد من القطاعات التي تعرف صعوبات مرتبطة باحترام تشريعات العمل، مع التركيز على محاربة تشغيل الأطفال، خصوصاً في العمل المنزلي والفلاحة والصناعة التقليدية، وتشديد الرقابة على ظروف العمل والسلامة والصحة المهنية في قطاعات البناء والفلاحة والمناجم.
وفي الاتجاه نفسه، جعل حزب التقدم والاشتراكية من تقوية مفتشية الشغل جزءاً من تصوره لحماية الأجراء والحد من انتشار العمل غير المهيكل، من خلال توفير وسائل وموارد إضافية للجهاز وتعزيز قدرته على مراقبة مدى احترام القواعد القانونية داخل أماكن العمل.
ويطرح الحزب، ضمن برنامجه، إنشاء منصة رقمية تحمل اسم "مساواة"، تكون مخصصة للتبليغ عن حالات التحرش والتمييز في أماكن العمل أو الاختلالات المرتبطة بالأجور، مع ربطها بمصالح مفتشية الشغل بهدف تسريع معالجة الشكايات وتعزيز آليات التدخل.
كما يقترح الحزب مراجعة عدد من مقتضيات مدونة الشغل بما يكرس المساواة في الأجور، إلى جانب اعتماد آليات أكثر انتظاماً لمراقبة المقاولات، وفرض تدقيق دوري للتأكد من احترام مبدأ المساواة في الأجر مقابل العمل المتساوي، مع إقرار جزاءات مالية في حق المؤسسات التي يثبت عدم احترامها للقواعد المعمول بها.
ويمتد هذا التصور أيضاً إلى القطاع غير المهيكل، من خلال الدعوة إلى ملاءمة الإطار التشريعي بما يفرض على المقاولات العاملة في هذا المجال احترام مقتضيات مدونة الشغل والتصريح بالعاملين لديها، بما يربط إدماج الأنشطة غير المهيكلة في الاقتصاد الرسمي بتحسين وضعية الأجراء.
بدوره، يضع حزب الأصالة والمعاصرة تقوية جهاز تفتيش الشغل ضمن مقترحاته المرتبطة بتنظيم سوق العمل، مع التركيز على توظيف الوسائل الرقمية والمتخصصة لتتبع المخالفات وتحسين قدرة أجهزة المراقبة على رصد الاختلالات.
ويشمل التصور المطروح ربط الاستفادة من الدعم العمومي باحترام مجموعة من الالتزامات المرتبطة بما يسمى "الشغل اللائق"، من خلال اشتراط وجود عقود عمل مصرح بها، والاستفادة من التغطية الاجتماعية، واحترام المدة القانونية للعمل.
كما يقترح الحزب اعتماد علامة خاصة بالمقاولات التي تحترم القواعد المنظمة للعمل، بما يسمح، وفق هذا التصور، بتوجيه جهود المفتشين نحو القطاعات والمؤسسات التي تظهر فيها مؤشرات أكبر على وجود خروقات، بدل توزيع عمليات المراقبة بشكل متساوٍ على مختلف المقاولات.
وفي المقابل، يضع حزب العدالة والتنمية ملف مراقبة تطبيق تشريعات الشغل ضمن القضايا المرتبطة بمواجهة الاختلالات التي يعرفها سوق العمل، مع التركيز على ضعف آليات المراقبة باعتباره عاملاً يساهم في استمرار عدد من الممارسات التي تمس حقوق الأجراء وتوسع دائرة العمل غير المهيكل.
وتكشف هذه المقترحات عن اختلاف في الأدوات التي تقترحها الأحزاب لمعالجة الإشكالات المرتبطة بعلاقات الشغل، بين من يركز على الرفع من عدد مفتشي الشغل ومنحهم صلاحيات أوسع، ومن يدفع باتجاه الرقمنة وتشديد الرقابة وربط الدعم العمومي باحترام حقوق الأجراء، إلى جانب مقترحات تستهدف إدماج القطاع غير المهيكل في منظومة قانونية واجتماعية أكثر تنظيماً.
ويأتي هذا النقاش في وقت تظل فيه قضية احترام ساعات العمل والتصريح بالأجراء والاستفادة من التغطية الاجتماعية والسلامة المهنية من الملفات التي ترتبط بشكل مباشر بالاستقرار داخل سوق الشغل، ما يجعل فعالية أجهزة المراقبة وقدرتها على التدخل في حالات الخرق عنصراً أساسيا في تقييم أي سياسة عمومية موجهة إلى حماية الشغيلة.