انتخابات 2026.. هل انتهى زمن الوجوه القديمة في دوائر الدار البيضاء؟
أعادت الانتخابات التشريعية لسنة 2026 ترتيب المشهد السياسي الوطني، بعدما حملت نتائجها تحولات لافتة على مستوى موازين القوى داخل مجلس النواب، في مقدمتها تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدا، متبوعا بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعدا.
فيما سجل حزب العدالة والتنمية عودة قوية بحصوله على 54 مقعدا، بعدما لم يتجاوز رصيده 13 مقعدا في انتخابات 2021.
وعلى مستوى باقي الأحزاب، حصلت الحركة الشعبية على 29 مقعداً، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 26، والتقدم والاشتراكية على 19، والاتحاد الدستوري على 17، بينما توزعت المقاعد المتبقية بين عدد من التنظيمات السياسية الأخرى.
غير أن قراءة التحول الانتخابي لا تكتمل من دون التوقف عند الدار البيضاء، التي ظلت على امتداد الاستحقاقات محطة أساسية لقياس اتجاهات التصويت وموازين القوى بين الأحزاب.
فالعاصمة الاقتصادية، بما تمثله من كثافة سكانية وامتداد عمراني وتنوع اجتماعي واقتصادي كبير، تتوفر على 26 مقعداً موزعة على ثماني دوائر انتخابية، وهو ما يجعل نتائجها ذات وزن خاص في تحديد صورة الحضور الحزبي داخل مجلس النواب.
وفي انتخابات 2026، أظهرت النتائج أن المدينة لم تتجه نحو تغيير شامل للوجوه، لكنها شهدت في المقابل حركة واضحة لإعادة توزيع المقاعد، إذ احتفظ 14 نائباً بمقاعدهم، مقابل دخول 12 نائباً جديداً.
وفي عين الشق، حافظت بعض الأسماء على مواقعها داخل واحدة من الدوائر التي تعرف تنافساً قوياً بين الأحزاب، بعدما فازت آمنة ماء العينين عن حزب العدالة والتنمية، وعبد الحق شفيق عن الأصالة والمعاصرة، ومحمد شفيق بنكيران عن التجمع الوطني للأحرار بالمقاعد الثلاثة.
وفي المقابل، انتهى حضور إسماعيل بنبي عن حزب الاستقلال داخل الدائرة، بعدما كان الحزب ممثلاً بأحد المقاعد في الولاية السابقة، لتؤكد النتيجة أن الاستمرارية داخل الدار البيضاء لا تعني بالضرورة بقاء الخريطة الحزبية على حالها، بل قد تتغير تركيبة التمثيلية حتى عندما تحافظ بعض الوجوه على مواقعها.
أما دائرة الفداء مرس السلطان، فقد حملت بدورها مؤشرات على تبدل موازين المنافسة، بعدما عادت ثلاثة أسماء إلى الواجهة هي محمد بنجلون التويمي عن الأصالة والمعاصرة، والفاطمي الرميد عن العدالة والتنمية، وإبراهيم النعناعي عن الاتحاد الدستوري، مع مغادرة الحسين نصر الله عن حزب الاستقلال، مقعده بعد أن مثل الدائرة خلال المرحلة السابقة.
وفي دائرة الدار البيضاء أنفا، التي تمنح أربعة مقاعد، بدت الصورة أكثر توازناً بين الاستمرارية والتجديد، إذ تمكن عبد الصمد حيكر عن العدالة والتنمية ومحمد شباك عن التجمع الوطني للأحرار من الحفاظ على مقعديهما، بينما دخلت نبيلة منيب عن تحالف اليسار ونجوى ككوس عن الأصالة والمعاصرة إلى مجلس النواب.
وفي المقابل، فقد حسن البركاني عن حزب الاستقلال مقعده، كما انتهى حضور عبد الواحد شوقي عن الأصالة والمعاصرة، لتكشف الدائرة عن انتقال جزء مهم من التمثيلية إلى أسماء جديدة، في واحدة من أكثر مناطق المدينة ارتباطاً بالتنوع الاجتماعي والاقتصادي والرمزي.
وبدائرة عين السبع الحي المحمدي، حافظت أربعة أسماء على مواقعها، ويتعلق الأمر بعبد اللطيف حرشيش عن الاتحاد الدستوري، ورشيد الجكيني عن العدالة والتنمية، وعادل البيطار عن الأصالة والمعاصرة، وحسن بنعمر عن التجمع الوطني للأحرار، بينما خرج رشيد أفيلال عن حزب الاستقلال من الحسابات الجديدة للدائرة.
وتبرز هذه النتيجة استمرار حضور عدد من الوجوه التي تمكنت من تثبيت مواقعها، مقابل تراجع تمثيلية الاستقلال، بما يعكس استمرار المنافسة الحزبية على واحدة من الدوائر التي ظلت تحظى بأهمية سياسية وانتخابية داخل العاصمة الاقتصادية.
وفي الحي الحسني، اتخذت عملية إعادة توزيع المقاعد شكلاً أكثر وضوحاً، بعدما احتفظ محمد الركاني عن حزب الاستقلال وصلاح الدين الشنقيطي عن الأصالة والمعاصرة بمقعديهما، في حين تمكن سمير شوقي عن العدالة والتنمية من انتزاع المقعد الذي كان يشغله إدريس الشرايبي عن التجمع الوطني للأحرار.
وتكشف هذه النتيجة عن عودة الحزب ذي المرجعية الإسلامية إلى عدد من معاقل الدار البيضاء، بعدما تراجع حضوره بشكل كبير في انتخابات 2021، لتصبح العاصمة الاقتصادية واحدة من الساحات التي برز فيها هذا التحول بصورة ملموسة.
أما سيدي البرنوصي، فقد حافظ أحمد بريجة عن الأصالة والمعاصرة وهشام الحيد عن حزب الاستقلال على مقعديهما، في وقت انتقل المقعد الثالث إلى عمر بلاطيف عن العدالة والتنمية، الذي حل محل عبد الرحيم أوطاس عن التجمع الوطني للأحرار.
وبذلك شهدت الدائرة انتقالاً لمقعد واحد فقط، لكنها في المقابل أكدت استمرار حضور ثلاثة أقطاب حزبية مختلفة، وهو ما يعكس طبيعة المنافسة الانتخابية داخل مناطق الدار البيضاء التي لا تخضع نتائجها بسهولة لهيمنة تنظيم سياسي واحد.
وتبقى دائرة مولاي رشيد من أبرز الحالات التي عكست حجم التغيير الذي عرفته انتخابات 2026 في الدار البيضاء، بعدما آلت المقاعد الثلاثة إلى وجوه جديدة بالكامل، هي محسن مفيدي عن العدالة والتنمية، وأنس حدادي عن التجمع الوطني للأحرار، ومحمد حمامة عن الأصالة والمعاصرة.
وحل هؤلاء محل محمد حدادي وعبد الإله أمهدي وعبد الإله شيكر، المنتمين إلى حزب الاستقلال والتقدم والاشتراكية، لتصبح الدائرة بذلك المثال الأوضح على انتقال التمثيلية من تركيبة سابقة إلى أخرى جديدة دون احتفاظ أي من الوجوه السابقة بمقعده.
وفي ابن مسيك، بدت الصورة أكثر ميلاً إلى الاستمرارية، بعدما حافظ محمد جودار عن الاتحاد الدستوري وتوفيق كميل عن التجمع الوطني للأحرار على مقعديهما، بينما نجح سعيد كشاني عن العدالة والتنمية في انتزاع المقعد الثالث من المصطفى جداد عن الأصالة والمعاصرة.
وتحمل هذه الخريطة الجديدة للدار البيضاء دلالات تتجاوز مجرد تبديل أسماء بأخرى، لأن العاصمة الاقتصادية أصبحت أمام تمثيلية برلمانية أكثر تنوعاً من حيث الأحزاب والوجوه، مع عودة قوية للعدالة والتنمية، واستمرار حضور الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال والاتحاد الدستوري، إلى جانب دخول تحالف اليسار عبر نبيلة منيب.
وبينما حافظت بعض الدوائر على جزء كبير من تركيبتها السابقة، شهدت أخرى تغييراً واضحاً، وفي مقدمتها مولاي رشيد، وهو ما يجعل انتخابات 2026 أقرب إلى إعادة تشكيل تدريجية للمشهد البرلماني البيضاوي، لا إلى قطيعة كاملة مع الأسماء التي صنعت حضورها خلال السنوات الماضية.