إرث القوانين المؤجلة يضع حكومة المنصوري أمام أول اختبار

الكاتب : انس شريد

13 October 2026 - 09:30
الخط :

تواجه رئيسة الحكومة المعينة، فاطمة الزهراء المنصوري، تحدياً تشريعياً مبكراً في ظل الأجندة المزدحمة التي تنتظر الأغلبية الحكومية المرتقبة، المكونة من أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية.

ويأتي هذا التحدي في مرحلة تتطلب استكمال عدد من الإصلاحات القانونية التي لم تستوفِ مراحلها التشريعية خلال الولاية السابقة، إلى جانب الالتزام بالاستحقاقات المالية المقبلة ومواكبة القوانين التي دخلت حيز التنفيذ.

ويأتي مشروع قانون المالية لسنة 2027 في مقدمة الاستحقاقات التي تفرض نفسها على البرلمان الجديد، بالنظر إلى ارتباطه بآجال دستورية وتنظيمية واضحة، فضلاً عن كونه الأداة الأساسية لترجمة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة إلى اعتمادات وبرامج قابلة للتنفيذ.

وتنص المادة 48 من القانون التنظيمي لقانون المالية على إيداع المشروع بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب في موعد أقصاه 20 أكتوبر، ما يفرض استكمال الترتيبات الضرورية لدراسته داخل اللجان المختصة، قبل الانتقال إلى المناقشة والتصويت وفق المسطرة المعمول بها.

ولا تقتصر أهمية هذا الاستحقاق على احترام الموعد القانوني، إذ ستكشف مضامين الميزانية عن توجهات الحكومة في تدبير الملفات الاجتماعية والاقتصادية، ومدى قدرتها على التوفيق بين تمويل الأوراش ذات الأولوية والحفاظ على التوازنات المالية.

وسيكون النواب أمام مهمة فحص الاعتمادات الموجهة إلى قطاعات الصحة والتعليم والتشغيل والحماية الاجتماعية والاستثمار العمومي، فضلاً عن تقييم التدابير الجبائية المقترحة وانعكاساتها المحتملة على الأسر والمقاولات، في وقت تتزايد فيه المطالب بتحسين الخدمات العمومية وتوسيع فرص الشغل.

وبموازاة هذا الاستحقاق المالي، تستمر مراجعة مدونة الأسرة في تصدر قائمة الإصلاحات القانونية المنتظرة، بالنظر إلى ما يحيط بها من نقاش مجتمعي وحقوقي، وإلى ارتباطها المباشر بأوضاع النساء والأطفال واستقرار الأسرة.

ورغم استكمال المشاورات التي شملت أحزاباً سياسية ومؤسسات دستورية وهيئات حقوقية وفاعلين مدنيين، فإن المشروع لم يبلغ، وفق المعطيات الواردة، مرحلة المناقشة البرلمانية، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن توقيت إحالته والصيغة التي ستعتمدها الحكومة الجديدة لاستكمال هذا الورش.

ويضع استمرار تأخر هذا الإصلاح الحكومة أمام مسؤولية الموازنة بين متطلبات تحديث الإطار القانوني المنظم للأسرة، ومختلف المواقف المجتمعية والحقوقية المرتبطة بمضامينه.

فقد شملت الموضوعات المطروحة خلال مسار المراجعة قضايا زواج القاصرات والحضانة والنيابة القانونية على الأطفال والتعدد، فضلاً عن تدبير الأموال المكتسبة خلال الزواج، وهي ملفات تتطلب معالجة تشريعية دقيقة تراعي حماية الحقوق وتوازن الالتزامات وتضمن وضوح المقتضيات القانونية.

وكان عبد اللطيف وهبي، وزير العدل في الحكومة المنتهية ولايتها، قد أدرج إصلاح المدونة ضمن الأوراش التي تنتظر استكمال مسارها التشريعي.

غير أن الانتقال من مرحلة المشاورات إلى إعداد مشروع متكامل وإحالته على البرلمان يظل مرتبطاً باستكمال الإجراءات الحكومية اللازمة، وهو ما يجعل مستقبل هذا الإصلاح رهيناً بمدى قدرة الحكومة الجديدة على حسم اختياراتها وتحديد جدول زمني واضح لمناقشته، دون استباق طبيعة التعديلات التي ستتضمنها الصيغة الرسمية النهائية.

ويبرز إصلاح مجموعة القانون الجنائي بدوره ضمن الملفات التي لم تحسم خلال الولاية السابقة، رغم استمرار النقاش بشأن الحاجة إلى تحديث عدد من مقتضياته ومواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع، ولا سيما في المجال الرقمي.

ويعيد هذا الورش إلى الواجهة قضايا تتعلق بتحديد الأفعال المجرمة والعقوبات المقررة لها، وحماية الحياة الخاصة، والتعامل القانوني مع بعض الممارسات عبر شبكات التواصل الاجتماعي، فضلاً عن الملفات المرتبطة بالحريات الفردية وحدود تدخل القانون الجنائي.

ويكتسي هذا الإصلاح أهمية خاصة بسبب حساسية الموضوعات التي يتناولها وتعدد المواقف بشأنها، ما يجعل إعداده وتمريره اختباراً لقدرة الحكومة على تدبير الاختلافات السياسية والحقوقية والتشريعية.

وفي هذا الإطار، لا يقتصر التحدي على إخراج نصوص قانونية جديدة، بل يمتد إلى ضمان الانسجام بين مختلف مكونات المنظومة القضائية، حتى لا تؤدي التعديلات المتفرقة إلى تعقيد التطبيق أو خلق صعوبات في التأويل.

ومن جهة أخرى، تفرض النصوص التي دخلت حيز التنفيذ تحديات مختلفة عن تلك المرتبطة بالمشاريع التي لا تزال تنتظر المصادقة.

ويبرز ضمن هذا الجانب القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، الذي دخل حيز التنفيذ في 20 غشت 2026، إذ ينتقل الاهتمام بشأنه من مرحلة التشريع إلى متابعة شروط التطبيق، واستكمال النصوص التنظيمية اللازمة لتفعيل بعض أحكامه، فضلاً عن تقييم انعكاساته على المهنة وممارستها.

ويعني ذلك أن جدول أعمال البرلمان والحكومة لن يقتصر على المصادقة على مشاريع جديدة، بل سيشمل أيضاً مراقبة تنزيل القوانين القائمة، من خلال الأسئلة البرلمانية ومناقشة الإشكالات التي قد تظهر أثناء التطبيق، ومساءلة الجهات الحكومية بشأن النصوص التنظيمية المرتبطة بها.

وفي المحصلة، تدخل الحكومة الجديدة مرحلة تتطلب الجمع بين سرعة الاستجابة للاستحقاقات القانونية واستكمال الإصلاحات التي طال انتظارها، دون التضحية بجودة النصوص أو متطلبات التشاور بشأنها.

آخر الأخبار