الرخص والريع وتفاوتات التنمية.. سنوات من الاختلالات على طاولة حكومة المنصوري

الكاتب : انس شريد

28 October 2026 - 09:30
الخط :

وضعت مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027 بمجلس النواب عددا من الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية أمام الحكومة الجديدة التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، في مقدمتها طرق منح الرخص والامتيازات الاقتصادية، واستمرار الفوارق المجالية، وضعف انعكاس الاستثمارات العمومية على الحياة اليومية للمواطنين.

وأعادت مداخلات برلمانية من الأغلبية والمعارضة طرح أسئلة تتعلق بمدى احترام تكافؤ الفرص، ونجاعة توزيع الموارد العمومية، وقدرة السياسات الحكومية على الحد من الريع والاحتكار وتضارب المصالح، في سياق تتزايد فيه المطالب بتحويل الالتزامات المعلنة إلى نتائج ملموسة.

وفي هذا السياق، انتقد هشام الصابري، رئيس فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، منظومة منح الرخص والامتيازات، خاصة المرتبطة بالصيد البحري واستغلال مقالع الرمال، معتبرا أن غياب معايير واضحة ومنصفة يثير إشكالات تتعلق بالمساواة بين المواطنين في الولوج إلى الفرص الاقتصادية.

وشدد على ضرورة مراجعة طرق منح هذه التراخيص وسحبها، بما يضمن الشفافية ويمنع حصر الاستفادة منها في فئات محددة، مؤكدا أن الإشكال لا يتعلق برفض الاستثمار الخاص، وإنما بضمان شروط عادلة للمنافسة وتكافؤ الفرص أمام الراغبين في الاستثمار.

وامتدت الانتقادات إلى التدبير الاقتصادي لبعض الأنشطة المرتبطة باستغلال الموارد الطبيعية، حيث أثار الصابري ما يرتبط بقطاع مقالع الرمال من إشكالات التهرب الضريبي والمعاملات غير المصرح بها، مسجلا أهمية الإجراءات الرامية إلى الحد من هذه الممارسات.

وتطرح هذه الملفات، بحسب الملاحظات التي أثارتها المداخلة البرلمانية، ضرورة تعزيز المراقبة وربط الاستفادة من الامتيازات باحترام القوانين والالتزامات المالية، بما يحول دون استغلال التراخيص لتحقيق مكاسب غير متكافئة، ويضمن مساهمة الأنشطة الاقتصادية في تمويل الخدمات العمومية ودعم التنمية.

من جهته، دعا أحمد العبادي، رئيس الفريق النيابي لحزب التقدم والاشتراكية، إلى مراجعة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية بما يجعل المواطن محور السياسات العمومية، مع التشديد على مكافحة الفساد والريع والاحتكار وتضارب المصالح.

واعتبر أن تقييم أداء الحكومة لا ينبغي أن يقتصر على حجم الميزانيات والبرامج المعلنة، بل يتعين أن يستند إلى أثرها الفعلي على القدرة الشرائية وجودة الخدمات العمومية وتوزيع ثمار النمو.

كما شدد على ضرورة تقوية دور الدولة في تنظيم السوق وضبط المنافسة وحماية المستهلكين من الممارسات التي تحد من قدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية.

وفي الجانب المرتبط بالعدالة المجالية، نبه رحال المكاوي، رئيس الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب، إلى استمرار اختلالات في توزيع الاستثمارات العمومية، داعيا إلى توجيه حصة أكبر من الموارد نحو المناطق التي تعاني نقصا في البنيات التحتية والخدمات الاجتماعية.

واستحضر في هذا الإطار جهات بني ملال خنيفرة والشرق ودرعة تافيلالت، باعتبارها من المجالات التي تبرز فيها تحديات التنمية المتوازنة، سواء بين الجهات أو بين المراكز الحضرية والمناطق القروية والجبلية داخل الجهة الواحدة.

ودعا إلى اعتماد مقاربة تنموية متكاملة تشمل الطرق والتجهيزات الأساسية، إلى جانب تثمين المنتجات المحلية والسياحة الجبلية والموارد الغابوية، بهدف خلق فرص اقتصادية مستدامة.

وتكتسي الأرقام المرتبطة بالاستثمار العمومي أهمية خاصة في هذا النقاش، إذ أشار المكاوي إلى ارتفاع حجمه من 230 مليار درهم سنة 2021 إلى 400 مليار درهم سنة 2027، مع تخصيص 251 مليار درهم للمؤسسات والمقاولات العمومية و124 مليار درهم للميزانية العامة، وفق المعطيات التي عرضها أمام اللجنة البرلمانية.

كما دعا إلى تعزيز التضامن بين الجهات، مشيرا إلى تخصيص 12 مليار درهم للجهات، ومطالبا بتوجيه الموارد نحو المجالات الأكثر خصاصا. وتبرز هذه المعطيات حجم الرهان المرتبط بمدى قدرة الإنفاق العمومي على تقليص الفوارق، بدل الاكتفاء بارتفاع الاعتمادات المرصودة للمشاريع الكبرى.

 

وبموازاة ذلك، شدد المكاوي على ضرورة تسريع تنزيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، ومعالجة التأخر الذي عرفته بعض التعاقدات بين الدولة والجهات، فضلا عن الصعوبات المرتبطة بنقل الاختصاصات إلى المستوى الترابي.

ودعا إلى إعطاء الأولوية لإخراج الميثاق الوطني للاتمركز الإداري، باعتباره مدخلا لتقريب القرار من المواطنين وتحسين تنفيذ السياسات العمومية.

وعلى المستوى السياسي والاجتماعي، حذر العبادي من أن استمرار التفاوتات والاختلالات قد يفاقم أزمة الثقة في المؤسسات، داعيا إلى توسيع آفاق الأمل أمام الشباب، وتحسين الخدمات العمومية، ومواجهة غلاء الأسعار، وتعزيز الحماية الاجتماعية والأمن المائي والسيادة الطاقية والغذائية والرقمية.

كما أكد أهمية اعتماد مؤشرات دقيقة لتقييم نتائج البرامج الحكومية، بدل الاكتفاء بحجم الأموال المصروفة أو عدد المشاريع المعلنة، مع إيلاء اهتمام خاص للفوارق بين المجالين الحضري والقروي. وتضع هذه المطالب الحكومة أمام تحدي الموازنة بين تحفيز الاستثمار وضمان العدالة في توزيع الفرص والثروة.

وبين الدعوات إلى إنهاء الريع ومكافحة التهرب الضريبي وتسريع الإصلاحات الترابية، يبقى الاختبار الأساسي للحكومة في مدى قدرتها على ترجمة هذه المطالب إلى إجراءات قابلة للتنفيذ والتقييم والمحاسبة، بما يضمن منافسة اقتصادية أكثر إنصافا وتنمية مجالية متوازنة ونتائج ملموسة يشعر بها المواطنون.

آخر الأخبار