مغاربة بلجيكا.. من عمال المناجم إلى صناع السياسة والثقافة
هشام رماح
قبل أكثر من ستة عقود، وصل آلاف المغاربة إلى بلجيكا للعمل في المناجم والمصانع، حاملين حلم تحسين أوضاعهم ومساعدة أسرهم، واليوم، بات أبناؤهم وأحفادهم جزءا من الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية للبلاد، في مسار تجاوز الهجرة من أجل العمل إلى الاستقرار والمواطنة، دون التخلي عن الجذور المغربية.
ويستعيد "أحمد مدهون" وكريستوف سوكال" هذه التجربة عبر مشروع "Belgica Biladi"، (بلجيكا بلادي) الذي يجمع كتابا ومعرضا وسلسلة حلقات "بودكاست"، سعيا إلى حفظ ذاكرة الجيل الأول، الذي يرحل تدريجيا ومعه شهادات عن فصل مهم من التاريخ المشترك بين المغرب وبلجيكا.
ووفق صحيفة "The Brussels Times"، شكل اتفاق استقدام العمال، الموقع في 24 فبراير 1964، محطة حاسمة في هذا المسار، حينما كانت بلجيكا تبحث عن اليد العاملة لتلبية حاجيات اقتصادها، خصوصا بعدما أوقفت إيطاليا إرسال عمالها إلى المناجم إثر كارثة "Bois du Cazier" سنة 1956، التي أودت بحياة 262 عاملا، بينهم 136 إيطاليا.
وفيما أتاح العمل بالخارج للمغاربة فرصا لتجاوز صعوبات اقتصادية واجتماعية، خاصة في منطقة الريف، واجه الوافدون الأوائل ظروفا قاسية، بين السكن في ثكنات مكتظة والعمل الشاق وعقود محدودة المدة.
ومع تراجع صناعة الفحم، انتقل كثيرون إلى قطاعات المعادن والبناء والصناعات الغذائية، ثم ساهم تشجيع التحاق الزوجات والأطفال في تحويل إقامة اعتبرت مؤقتة إلى استقرار عائلي دائم، في بلد كان يحتاج أيضا إلى تجديد قوته العاملة لمواجهة الشيخوخة السكانية.
غير أن أزمة النفط سنة 1973 وما أعقبها من تراجع صناعي وضعت العمال المهاجرين في مواجهة البطالة وتصاعد الخطاب المعادي للأجانب، وأمام التمييز والتضييق، لعبت الجمعيات المغربية والنقابات وفعاليات المجتمع المدني دورا في الدفاع عن حقوقهم، ضمن مسار شهد صدور قانون ينظم دخول الأجانب وإقامتهم وإبعادهم سنة 1980، ثم تشريع يجرم العنصرية سنة 1981، وتيسير الولوج إلى الجنسية لاحقا.
وفتح اتساع المشاركة المدنية والسياسية الطريق أمام أجيال من البلجيكيين ذوي الأصول المغربية للوصول إلى مواقع التمثيل والمسؤولية، إلى جانب حضورهم في المقاولة والفنون والإعلام والجامعة والإدارة، ومع ذلك، لم ينه هذا التقدم الفوارق في التعليم والتشغيل والسكن، ومعه شعور بعض الشباب بأنهم يعاملون كغرباء داخل البلد الذي ولدوا فيه.