أزمة الطلاق.. البرلمان يفكك أعطاب الاستقرار الأسري بالمغرب
يشهد المغرب نقاشا متصاعدا حول أوضاع الأسرة وتحولاتها القانونية والاجتماعية، في ظل تزايد القضايا المرتبطة بالطلاق والنفقة داخل المحاكم، وما تعكسه هذه المؤشرات من تغيرات في بنية المجتمع المغربي وطبيعة العلاقات الزوجية.
ويطرح هذا الوضع تساؤلات بشأن الأسباب التي تدفع الأزواج إلى الانفصال، ومدى نجاعة التدابير الاجتماعية والاقتصادية في تعزيز الاستقرار الأسري، في وقت تتواصل فيه المطالب بمراجعة الإطار القانوني المنظم للعلاقات الأسرية ومواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع.
وشكلت هذه القضايا محور الجلسة الأسبوعية للأسئلة الشفوية بمجلس النواب، المنعقدة يوم الاثنين 2 نونبر 2026، حيث سلط عدد من النواب، بمن فيهم ممثلو المعارضة، الضوء على ارتفاع طلبات الطلاق وتداعياتها الاجتماعية، إلى جانب الإشكالات المرتبطة بالنفقة والسكن ومستقبل مدونة الأسرة.
وشهدت الجلسة نقاشا حول حدود التدابير المالية في مواجهة هذه الظاهرة، وضرورة اعتماد مقاربة تتجاوز الجانب المادي إلى الأبعاد الاجتماعية والنفسية، قبل أن يقدم وزير العدل عبد اللطيف وهبي توضيحاته بشأن الأرقام المتداولة، وحقوق المرأة المطلقة، والإجراءات المرتبطة بمراجعة مدونة الأسرة.
وفي هذا السياق، دعا أنس حدادي، النائب البرلماني عن فريق التجمع الوطني للأحرار، إلى اعتماد مقاربة شمولية لمعالجة ارتفاع حالات الطلاق، معتبرا أن استقرار الأسرة لا يمكن تحقيقه من خلال الدعم المالي وحده.
وأشار إلى أن الحكومة تقدم دعما بقيمة 5000 درهم للمقبلين على الزواج، إلى جانب تدابير تروم تيسير الولوج إلى السكن والكراء، وهي إجراءات اعتبرها مهمة، لكنها لا تستجيب بمفردها لمختلف الصعوبات التي تواجه الأزواج في حياتهم اليومية، مؤكدا ضرورة تعزيز التواصل الأسري ومواكبة التحولات الاجتماعية والقيمية.
واستحضر حدادي معطيات تشير إلى انتقال نسبة الطلاق الاتفاقي من 63 في المائة سنة 2014 إلى 89 في المائة سنة 2024، معتبرا أن هذا التطور يستدعي البحث في الأسباب العميقة للانفصال، بما يشمل ظروف الشغل والسكن والتنقل، فضلا عن الإكراهات اليومية التي تؤثر في العلاقات الزوجية.
وشدد على أن معالجة الظاهرة تتطلب سياسات متكاملة تجمع بين الدعم الاقتصادي والمواكبة النفسية والاجتماعية، بما يعزز التماسك الأسري ويساعد الأزواج على تجاوز الخلافات.
من جهته، أكد وزير العدل عبد اللطيف وهبي ضرورة التمييز بين طلبات الطلاق والأحكام القضائية النهائية، موضحا أن الرقم المتداول، والمحدد في نحو 154 ألف ملف، لا يعني أن العدد نفسه من الزيجات انتهى فعليا.
وأفاد بأن المغرب يسجل حوالي 268 ألف حالة زواج سنويا، مشيرا إلى أن عددا من طلبات الطلاق لا يستكمل مسطرته القضائية، بعدما يتراجع الأزواج عن قرار الانفصال إثر تدخل العائلات أو محاولات الصلح، وهو ما يستدعي اعتماد معايير دقيقة عند تحليل الإحصائيات المتعلقة بالأسرة.
ورفض وهبي تحميل المرأة وحدها مسؤولية ارتفاع طلبات الطلاق، منتقدا النظرة الاجتماعية التي تحول الطلاق إلى وصمة تلاحق المرأة، في حين لا يخضع الرجل بالضرورة للأحكام نفسها.
وشدد على أن لكل حالة ظروفها الخاصة، وأن حق المرأة في اختيار الزواج ينبغي أن يقابله الاعتراف بحقها في طلب إنهائه، مستحضرا معاناة نساء في الماضي اضطررن إلى الانتظار نحو 20 سنة داخل المحاكم للحصول على الطلاق، في ظل ظروف صعبة ارتبطت أحيانا بمغادرة بيت الزوجية والحرمان من النفقة أو مواجهة مشكلات تتعلق بالأبناء.
وعلى مستوى معالجة النزاعات الأسرية، أقر وزير العدل بصعوبة الاعتماد على القضاة وحدهم في الوساطة بين الأزواج، بسبب ضغط الملفات وضيق الوقت المتاح لكل قضية.
وكشف عن توجه نحو إسناد هذه المهمة إلى مؤسسات متخصصة، مع إشراك المجالس العلمية المحلية وإحداث مكاتب مستقلة للوساطة، بهدف توفير فرص أوسع للمصالحة وتسوية الخلافات، مع احترام الحقوق القانونية للأطراف وعدم تحويل الوساطة إلى وسيلة لفرض استمرار العلاقة الزوجية على أحد الطرفين.
وبخصوص مراجعة مدونة الأسرة، أشار وهبي إلى أن المشروع الجديد لا يزال ينتظر الحسم في مسار إحالته على البرلمان، معربا عن أمله في استكمال هذه الخطوة خلال الفترة المقبلة.
ويأتي هذا الورش في سياق النقاش المتواصل حول سبل تطوير القواعد المنظمة للعلاقات الأسرية ومواكبة التحولات الاجتماعية، بما يحقق التوازن بين حماية الأسرة وضمان حقوق أفرادها، في وقت دعا فيه الوزير إلى توحيد المعايير الإحصائية بين وزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية والمندوبية السامية للتخطيط، من أجل التمييز بوضوح بين طلبات الطلاق والأحكام النهائية وتوفير معطيات أكثر دقة بشأن واقع الأسرة المغربية.