استقالات متتالية تهز "الأحرار" وتكشف اتساع رقعة التصدع داخل الحزب

الكاتب : انس شريد

07 November 2026 - 08:30
الخط :

يتواصل مسلسل الاستقالات داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، في ظل مغادرة عدد من القيادات والأطر والمنتخبين لمسؤولياتهم التنظيمية وانسحابهم من هياكل الحزب بعدد من الجهات والأقاليم، في تطور يعيد إلى الواجهة النقاش حول تماسك التنظيم الداخلي وقدرته على احتواء الخلافات المتصاعدة بين قياداته وقواعده المحلية، خصوصاً في أعقاب الاستحقاقات التشريعية الأخيرة.

وفي أحدث حلقات هذا المسار، أعلنت ليلى داهي، النائبة البرلمانية السابقة عن الحزب، إنهاء ارتباطها التنظيمي بالتجمع الوطني للأحرار، من خلال تقديم استقالتها من مختلف هياكله وتنظيماته، واضعة بذلك حداً لمسار سياسي وحزبي انطلق سنة 2015، بعدما اعتبرت أن الاختلاف في الرؤى والمواقف بشأن طريقة تدبير الحزب أصبح أكثر عمقاً خلال المرحلة الحالية.

وأوضحت داهي أن قرارها لم يكن وليد لحظة عابرة، بل جاء عقب مراجعة شخصية وتقييم لمسارها داخل التنظيم، مشيرة إلى أن بعض القرارات والممارسات الحزبية لم تعد، بحسب تقديرها، تعكس الإنصاف والتقدير اللازمين للمناضلين الذين ساهموا في بناء الحزب وتعزيز حضوره في مختلف المحطات.

ورغم إعلانها الانسحاب، حرصت البرلمانية السابقة على التأكيد أن مغادرتها لا تلغي قيمة التجربة التي راكمتها داخل الحزب، باعتباره أول إطار سياسي احتضن مسارها، حيث أتاح لها فرصة اكتساب خبرات تنظيمية وسياسية وتحمل مسؤوليات متعددة، من بينها المسؤولية البرلمانية التي شكلت محطة أساسية في تجربتها في الترافع عن قضايا المواطنين وخدمة الشأن العام.

كما عبرت عن تقديرها لما حققه الحزب خلال قيادته للحكومة، محتفظة بعلاقات الود والامتنان مع الأشخاص الذين تقاسمت معهم مراحل مختلفة من تجربتها السياسية، غير أنها شددت في المقابل على أن العمل الحزبي لا يمكن أن يستقيم بالاعتماد على القيادات وحدها، وإنما يستند أساساً إلى مناضليه، وإلى ترسيخ التشاور والإنصات والعمل الجماعي، بعيداً عن إقصاء الأصوات التي ساهمت في مساره التنظيمي.

ولم تقتصر التطورات التنظيمية على استقالة داهي، إذ شهدت جهة الرباط سلا القنيطرة بدورها هزة داخلية، بعدما أعلن سعد بنمبارك، المنسق الجهوي للحزب، تخليه عن مهامه التنظيمية، في خطوة ربطها بشكل مباشر بطريقة تدبير قيادة الحزب لملف الترشيحات والاستحقاقات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر 2026، محملاً رئيس الحزب محمد شوكي مسؤولية جانب من الاختلالات التي رافقت هذه المرحلة.

وتكتسي هذه الاستقالة أهمية خاصة بالنظر إلى موقع بنمبارك داخل الهيكلة الجهوية، فضلاً عن تزامنها مع نتائج انتخابية لم ترق إلى تطلعات الحزب في عدد من الدوائر، من بينها العاصمة الرباط، حيث لم يتمكن طه الجماني من الفوز بمقعد برلماني بدائرة المحيط، كما أخفق علاء البحراوي في حسم المنافسة بدائرة شالة.

وفي رسالة استقالته الموجهة إلى رئيس الحزب، أشار بنمبارك إلى أنه سبق أن نبه قيادة التنظيم إلى وجود اختلالات في تدبير الترشيحات، محذراً من تداعياتها المحتملة على وحدة الحزب وحضوره الانتخابي بالجهة، كما انتقد اتخاذ قرارات تخص التنسيقية الجهوية دون الأخذ بعين الاعتبار مقترحاتها وتقديراتها الميدانية.

واعتبر المسؤول الحزبي المستقيل أن هذا النهج أضعف هامش تحرك التنظيم الجهوي وأثر على قدرته في تعبئة قواعده، مؤكداً أن المسؤولية التنظيمية لا يمكن فصلها عن صلاحيات المشاركة في اتخاذ القرار، وأن تحميل المسؤولين الجهويين تبعات اختيارات لم يشاركوا في بلورتها يفرغ مهامهم من مضمونها.

وأضاف أن استمرار الوضع على هذا النحو لم يعد منسجماً مع تصوره للعمل الحزبي القائم على الثقة والتشاور وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو ما دفعه إلى وضع حد لمهامه التنظيمية، في خطوة تعكس حجم التباين بين بعض القيادات المحلية والاختيارات الصادرة عن القيادة المركزية.

وعلى مستوى جهة طنجة تطوان الحسيمة، انضمت تطوان بدورها إلى قائمة المناطق التي شهدت تغييرات في المسؤوليات الحزبية، بعدما قدم المحامي توفيق البورش، رئيس الاتحادية الإقليمية للتجمع الوطني للأحرار بتطوان ونائب رئيس مجلس الجهة، استقالته من رئاسة الاتحادية، بموجب مراسلة مؤرخة في الخامس من أكتوبر الجاري وموجهة إلى المنسق الإقليمي للحزب.

وعزا البورش قراره إلى اعتبارات تنظيمية وشخصية، مؤكداً أنه اتخذه بعد دراسة مختلف الظروف المرتبطة بممارسة المسؤولية، مع التشديد على ضرورة معالجة الملفات والخلافات داخل المؤسسات الحزبية واحترام الهياكل التنظيمية ومكوناتها.

وتتواصل مؤشرات المغادرة كذلك بإقليم المضيق الفنيدق، حيث سبق لمحمد أشكور، الكاتب المحلي للحزب بمدينة مرتيل، أن أعلن استقالته من التنظيم ومن مختلف هياكله على مستوى العمالة، مستنداً إلى اعتبارات وصفها بالشخصية والموضوعية، ومعلناً بذلك نهاية ارتباطه الحزبي بالتجمع الوطني للأحرار.

أما بمدينة مراكش ونواحيها، فقد امتدت الاستقالات إلى عدد من الأطر والمنتخبين، إذ أعلنت سلمى مقدومي، المنتمية إلى الدائرة الانتخابية جليز، مغادرتها الحزب بعد ثماني سنوات من العمل التنظيمي والميداني، بالتزامن مع بروز تحركات شملت أسماء نسائية وشبابية غادرت التنظيم، واتجه بعضها نحو أحزاب منافسة بالمنطقة.

وامتد هذا المسار إلى الجماعات الترابية المحيطة بالمدينة، بعدما أعلن ياسين عمور، نائب رئيس جماعة أولاد حسون حمري، استقالته النهائية من الحزب ومن مختلف هياكله التنظيمية، في مؤشر إضافي على أن تداعيات الخلافات الداخلية لم تعد محصورة في المدن الكبرى أو في مواقع المسؤولية الجهوية والإقليمية، بل وصلت أيضاً إلى مستويات التنظيم المحلي والمنتخبين بالجماعات الترابية.

وتضع هذه الاستقالات المتلاحقة حزب التجمع الوطني للأحرار أمام تحدي إعادة ترتيب بيته الداخلي واحتواء حالة التباعد بين عدد من مسؤوليه وقواعده، خصوصاً أن تعدد مواقع المغادرة واختلاف مستوياتها التنظيمية يطرح أسئلة حول أسباب تعثر التواصل الداخلي وحدود الانسجام بين القيادة المركزية والتنسيقيات الجهوية والإقليمية والمحلية، في مرحلة تفرض على الحزب استعادة تماسكه وتعزيز حضوره السياسي والتنظيمي.

آخر الأخبار