أجور موظفي الصحة تفجر مواجهة جديدة بين النقابات والحكومة

الكاتب : الجريدة24

07 November 2026 - 09:00
الخط :

تتجه المواجهة بين النقابات الصحية والحكومة نحو مزيد من التصعيد، بعدما أعلنت النقابة الوطنية للصحة، التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، عن خوض إضراب وطني يوم الثلاثاء 10 نونبر الجاري، احتجاجا على ما اعتبرته تراجعا حكوميا عن تعهدات سابقة جرى الاتفاق بشأنها مع الشغيلة الصحية، إلى جانب مخاوف من المساس بعدد من المكتسبات المهنية والمالية، وفي مقدمتها ضمان صرف الأجور من الميزانية العامة للدولة.

وفي خطوة تعكس اتساع دائرة الخلاف، قرر المكتب الوطني للنقابة عدم المشاركة في الاجتماع المرتقب مع وزير الصحة والحماية الاجتماعية، مع إبقاء جميع الخيارات الاحتجاجية مفتوحة أمام أجهزتها التقريرية، وذلك ردا على ما وصفته بعدم احترام الالتزامات المتضمنة في الاتفاقات المبرمة مع الحكومة.

وجاء هذا التصعيد ضمن رسالة مفتوحة وجهتها النقابة، إلى رئيسة الحكومة ووزيري الاقتصاد والمالية والصحة والحماية الاجتماعية، عرضت فيها أسباب رفضها للتوجهات المالية التي تضمنها مشروع قانون المالية والميزانية الفرعية لوزارة الصحة برسم سنة 2027، معتبرة أنها تتعارض مع التفاهمات التي جرى التوصل إليها بين الحكومة والمركزيات النقابية في 23 يوليوز 2024.

ويتركز الخلاف أساسا حول الصيغة المعتمدة لتدبير أجور العاملين بالقطاع، إذ تتمسك النقابة بضرورة استمرار صرف مستحقاتهم من الميزانية العامة للدولة، من خلال فصل نفقات الموظفين على مستوى الخزينة العامة للمملكة، مع ضمان احتفاظهم بمناصب مالية مستقرة، تفاديا لأي تغيير قد يؤثر على وضعيتهم الإدارية والمالية بعد إحداث المجموعات الصحية الترابية.

واعتبرت الهيئة النقابية أن التوجه الوارد في مشروع ميزانية 2027 لا ينسجم مع ما سبق الاتفاق عليه، مستندة في موقفها إلى مقتضيات المادة 23 من قانون المالية لسنة 2025، التي أقرت استمرار تحمل ميزانية الدولة لأجور الموظفين المرسمين والمتدربين والمستخدمين المتعاقدين المعنيين بالقانون رقم 08.22، وفق الشروط والكيفيات التي يحددها نص تنظيمي.

وأبدت النقابة تحفظا شديدا على الطريقة التي جرى بها إدراج أجور موظفي الصحة ضمن بند النفقات المختلفة والمعدات، معتبرة أن هذا التصنيف لا يعكس الطبيعة القانونية والمهنية لهذه المستحقات، التي تشكل حقوقا مترتبة عن علاقة الموظف بالإدارة، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها مساعدات أو تحويلات مالية.

كما رفضت التبريرات المرتبطة بالزيادة المسجلة في ميزانية النفقات المختلفة والمعدات، والمقدرة بنسبة 104 في المائة، والتي ربطتها التوجهات المعروضة بتحويل اعتمادات الأجور إلى شكل إعانات موجهة للمجموعات الصحية الترابية. وترى النقابة أن اعتماد هذه الآلية قد يفتح الباب أمام المساس بالضمانات التي جرى التوافق بشأنها، وينعكس سلبا على الاستقرار المهني والمالي للعاملين بالقطاع.

وفي معرض دفاعها عن مطالبها، استحضرت النقابة المسار الذي قطعته الأطر الصحية خلال السنوات الماضية، مستذكرة التضحيات التي قدمها العاملون في مواجهة جائحة كوفيد-19، وما رافقها من مجهودات استثنائية للحفاظ على استمرارية المرفق الصحي، فضلا عن المحطات النضالية التي خاضتها الشغيلة منذ سنة 2021 للتأثير في إعداد القوانين المؤطرة لإصلاح المنظومة الصحية.

وأبرزت أن اتفاق 23 يوليوز 2024 جاء بعد مسار طويل من الحوار والتفاوض، وشكل، بحسب تقييمها، أرضية للتوافق بشأن إحداث المجموعات الصحية الترابية، على أساس الجمع بين إصلاح تدبير المؤسسات الصحية وصيانة الحقوق المكتسبة للموظفين وتحسين أوضاعهم المهنية والاجتماعية.

وحذرت النقابة من أن أي إخلال بهذه التفاهمات من شأنه إعادة التوتر إلى المؤسسات الصحية وتعقيد مسار تنزيل الإصلاح، في وقت يفترض فيه أن تحظى الموارد البشرية بالمكانة اللازمة ضمن ورش إعادة هيكلة القطاع. واعتبرت أن تحويل الموظفين إلى طرف في خلافات حول تدبير الاعتمادات المالية لا يخدم مصالح الشغيلة، كما لا يساعد على تحسين الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.

وفي ختام موقفها، حملت النقابة رئيسة الحكومة والوزيرين المعنيين مسؤولية معالجة هذا الملف، مطالبة بمراجعة الاختيارات المالية الواردة في مشروع قانون المالية لسنة 2027، والالتزام الصريح بمقتضيات الاتفاقات السابقة، مع توفير ضمانات واضحة بشأن استمرار صرف أجور موظفي الصحة من الميزانية العامة للدولة، سواء تعلق الأمر بالعاملين داخل المجموعات الصحية الترابية أو خارجها.

ويضع هذا التصعيد الحكومة أمام اختبار جديد في تدبير علاقتها بالنقابات الصحية، خصوصا أن الخلاف لم يعد مقتصرا على تفاصيل تقنية مرتبطة بتوزيع الاعتمادات المالية، بل امتد إلى ضمانات الاستقرار الوظيفي وحماية المكتسبات المرتبطة بإصلاح المنظومة الصحية.

وبين تمسك النقابة بتنفيذ اتفاق يوليوز 2024 وإصرارها على خوض الإضراب، وانتظار موقف الحكومة من مطالبها، يبقى مستقبل الحوار الاجتماعي داخل القطاع رهينا بمدى القدرة على تجاوز الخلافات المالية وتقديم التزامات واضحة تطمئن الأطر الصحية وتحافظ على استمرارية المرفق العمومي.

آخر الأخبار