الزواحف السامة تخرج من جحورها مع اشتداد الحر.. وسكان القرى أول المتضررين

الكاتب : انس شريد

14 June 2025 - 10:30
الخط :

في ظل ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة منذ بداية شهر يونيو، يعيش عدد من المناطق القروية وشبه الحضرية في المغرب على وقع حالة من القلق المتصاعد، نتيجة ازدياد خطر الزواحف السامة، خصوصًا العقارب والأفاعي، التي تنشط بشكل كبير في هذا التوقيت من السنة، وتُشكّل تهديدًا حقيقيًا على السلامة الجسدية والصحة العامة، لا سيما في صفوف الفئات الهشة كالأطفال والنساء.

وتحولت هذه الظاهرة الموسمية إلى معضلة صحية مستعصية في بعض الأقاليم المغربية التي تسجل سنويًا عشرات بل مئات الحالات من لسعات العقارب ولدغات الأفاعي، في سياق مناخي صيفيّ تُضاعف فيه الحرارة العالية من حركة هذه الزواحف وخروجها من جحورها بحثًا عن الغذاء والماء. وبينما يُفترض أن تكون هذه الحالات تحت السيطرة من خلال منظومة صحية استباقية، تكشف الوقائع اليومية هشاشة التدخلات وصعوبة ولوج العلاج المناسب في المناطق البعيدة والمعزولة.

وتفتقر غالبية المراكز الصحية والمستوصفات القروية إلى الأمصال الضرورية المضادة للسموم، ما يحوّل الحوادث البسيطة أحيانًا إلى كوارث صحية حقيقية، خصوصًا في الحالات التي يكون فيها الضحايا من الأطفال أو المسنين، حيث تصبح رحلة البحث عن المصل أشبه بسباق مع الزمن. وغالبًا ما تضطر الأسر إلى التنقل لمسافات طويلة صوب مستشفيات إقليمية أو جهوية، على أمل العثور على جرعة دواء قد تنقذ حياة فرد من العائلة.

وفي هذا السياق، ارتفعت أصوات مدنية وبرلمانية تطالب السلطات الصحية بتوفير الأدوية بشكل استباقي، خاصة في المناطق المعروفة تاريخيًا بكثافة ظهور العقارب والزواحف. كما دعت فعاليات محلية إلى تعزيز التغطية الطبية وتأهيل المراكز الصحية القروية، وتفعيل خطط طوارئ فعالة، بما يُجنب المواطنين عناء التنقل وتأخر التدخلات التي قد تكون قاتلة.

وعبّرت البرلمانية نعيمة الفتحاوي، عن حزب العدالة والتنمية، في سؤال كتابي وجهته إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية، عن قلقها من تصاعد هذه الحوادث خلال موسم الصيف، في ظل ارتفاع درجات الحرارة غير المسبوقة التي تعرفها البلاد خلال السنوات الأخيرة، ما يجعل من نشاط الزواحف السامة ظاهرة متكررة ومقلقة، خصوصًا في ظل النقص الحاد في التجهيزات والإمكانيات الطبية.

واستندت النائبة إلى معطيات أوردتها الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة، أكدت فيها أن عددًا من المناطق بالمغرب، تعاني مع بداية كل صيف من موجة إصابات بلسعات العقارب ولدغات الأفاعي، التي غالبًا ما تقابل بضعف الاستجابة من طرف السلطات الصحية، وتأخر في إنعاش المصابين، ناهيك عن محدودية سبل الوقاية والتدخل السريع.

ويرى مختصون في الشأن الصحي أن الرفع من درجة الوعي داخل المجتمعات القروية يعد من بين الأدوات الفعالة للتقليل من هذه المخاطر، عبر تنظيم حملات تحسيسية لتعليم السكان سبل الوقاية، وكذا كيفية التصرف السليم في حالة التعرض للسعة أو لدغة، مع تدريبهم على تقنيات الإسعاف الأولي ريثما تصل المساعدة الطبية المختصة. كما يشير الخبراء إلى ضرورة تنسيق الجهود بين وزارة الصحة والسلطات الترابية والفاعلين المدنيين لوضع خريطة دقيقة للمناطق السوداء من حيث كثافة الزواحف السامة وتوجيه التدخلات وفقًا لذلك.

وتُبرز أرقام رسمية حجم التحدي الذي يواجهه المغرب في هذا الملف، إذ أعلنت المندوبية الإقليمية لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية بإقليم أزيلال في بلاغ صدر خلال يونيو الجاري، أنها عالجت 89 حالة لسعات عقارب وثلاث حالات عضات أفاعي، خلال فترة لا تتجاوز عشرة أيام. وأوضحت المندوبية أن التكفل بالمرضى تم وفقًا للبروتوكول العلاجي المعتمد، وأن الحالات تخضع للمراقبة الطبية وتتماثل للشفاء.

ورغم هذا التطمين الرسمي، إلا أن عدد الحالات المعلنة يثير تساؤلات حقيقية حول مدى نجاعة المنظومة الصحية في التعامل مع هذا النوع من الطوارئ الموسمية. فإذا كان إقليم واحد فقط يسجل ما يقارب مائة حالة في أقل من أسبوعين، فكم سيكون عدد الإصابات على المستوى الوطني مع توالي موجات الحر خلال فصل الصيف؟ وكيف يمكن تبرير استمرار غياب الأمصال في العديد من المستوصفات القروية رغم تكرار السيناريو سنويًا؟

في عدد من دواوير دمنات وآيت اعتاب، حيث تكثر الأراضي الفلاحية والمجالات الغابوية، تتواصل شكاوى السكان من الخطر اليومي الذي تفرضه العقارب السامة والأفاعي، في ظل ضعف البنية الصحية وغياب وسائل الإنقاذ السريعة، ما يجعلهم يعيشون على وقع حالة من القلق والاحتراز الدائم. ويؤكد عدد من المواطنين أنهم اضطروا في حالات سابقة إلى الاعتماد على وسائل تقليدية بدائية، بل وحتى وصفات شعبية، بسبب بعد المستشفيات أو انعدام الأمصال الضرورية في المراكز القريبة.

كل هذه المؤشرات تدق ناقوس الخطر بشأن هشاشة التعامل مع واحدة من أخطر الظواهر الصحية الموسمية في البلاد. ورغم أن السلطات الصحية تعلن كل سنة عن جهود في المجال، إلا أن الواقع الميداني يبيّن أن المعضلة تتكرر بنفس الحدّة، بل ربما بازدياد، مع كل صيف يمر، وهو ما يستدعي مقاربة أكثر شمولًا وصرامة لضمان الحق في العلاج والحماية الصحية لكافة المواطنين، أينما كانوا.

آخر الأخبار