البرلمان يشتعل بسبب الغلاء.. وتحذيرات من استخدام حرب إيران وإسرائيل لرفع الأسعار
شهدت جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس النواب، المنعقدة يوم الاثنين 16 يونيو 2025، مواجهة حادة بين نواب المعارضة والحكومة بشأن استمرار موجة الغلاء التي تطال عدداً من المواد الغذائية الأساسية، حيث نبهت أصوات برلمانية إلى خطورة استغلال التوترات الإقليمية، وعلى رأسها الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل، لتبرير ارتفاع الأسعار، محذّرة من انعكاسات ذلك على السلم الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي.
وفي هذا السياق، وجهت النائبة البرلمانية عن الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية، عائشة الكرجي، انتقادات لاذعة للحكومة، متهمة إياها باستغلال النزاعات الدولية كمبرر لرفع الأسعار دون تقديم حلول ملموسة لوقف نزيف القدرة الشرائية للمواطنين.
وقالت الكرجي إن المغاربة باتوا يعانون من الغلاء المفرط الذي جعل مواد أساسية، كالحبوب والزيت والسكر، خارج متناول شريحة واسعة من الأسر، مشددة على أن سوق الأربعاء الغرب يعكس صورة قاتمة للواقع الاقتصادي، حيث تجاوزت أسعار بعض المواد الحدود المعقولة.
واعتبرت النائبة نفسها أن الإجراءات التي تتحدث عنها الحكومة لم تنجح، مؤكدة أن تبريرها المستمر للزيادات بمنطق العرض والطلب أصبح غير مقبول أمام معاناة الأسر التي فقدت الأمل في تحسن الوضع.
وحذّرت من اتخاذ الحكومة الحرب بين إيران وإسرائيل كذريعة جديدة لتبرير موجة غلاء إضافية، مشيرة إلى أن الأزمة، حسب تعبيرها، داخلية بالأساس، وتعود إلى ضعف المراقبة، وغياب سياسة واضحة لردع المحتكرين والمضاربين.
من جهتها، نفت وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح العلوي، الاتهامات الموجهة للحكومة بشأن التلاعب بأسعار المواد الأساسية، مؤكدة أن التطورات الجيوسياسية الدولية تفرض ضغوطًا حقيقية على الأسواق العالمية، وهو ما يتطلب تفاعلاً واقعياً لتدبير ميزانية الدولة وتوفير المواد الاستهلاكية للمواطنين بأقل الأضرار الممكنة.
وأضافت أن الحكومة لم تقف مكتوفة الأيدي، مشيرة إلى اتخاذ عدد من الإجراءات في قانون المالية لسنة 2025، من بينها تخفيض الضريبة على القيمة المضافة على بعض المواد الأساسية، وتحمل جزء من فاتورة الكهرباء لحماية الفئات المتضررة.
ورغم اعترافها بأن الأسعار لم تعد إلى مستويات ما قبل جائحة كوفيد-19، فقد أكدت العلوي أن هناك مؤشرات على تراجع ملموس، استناداً إلى تقارير المندوبية السامية للتخطيط التي سجلت انخفاضاً في معدلات التضخم خلال شهري مارس وأبريل من السنة الجارية.
وأوضحت أن هذا التراجع يعكس تحسناً تدريجياً في الأداء الاقتصادي، ولو لم يكن محسوساً بشكل كامل لدى عموم المواطنين.
كما دعت الوزيرة أعضاء البرلمان إلى التعاون الجاد من خلال تقديم أسماء المضاربين والمحتكرين الذين يُتهمون بالتسبب في هذه الارتفاعات، حتى تتمكن السلطات من فتح تحقيقات واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في حقهم.
كما أكدت أن الحكومة تعمل على ضمان استقرار العرض داخل الأسواق، وتشجيع سلاسل التوزيع على الالتزام بالأسعار المحددة، بما يسمح بضبط السوق ودفع الأسعار نحو الانخفاض التدريجي.
لكن هذه التصريحات لم تكن كافية لتهدئة حدة الانتقادات تحت قبة البرلمان، حيث اعتبر إدريس السنتيسي، رئيس الفريق الحركي، أن الحكومة فشلت في ضبط الأسواق، متّهماً المضاربين باستغلال ضعف الرقابة لتحقيق أرباح خيالية على حساب معاناة المواطنين. وطالب باتخاذ إجراءات صارمة لمحاصرة هذه الظاهرة التي تُغذي الاحتقان الاجتماعي.
أما رشيد حموني، رئيس فريق حزب التقدم والاشتراكية، فقد صعّد من لهجته، متهماً جهات وصفها بـ"المستفيدة من الدعم العمومي" بالوقوف وراء موجة الغلاء.
ودعا إلى فتح تحقيقات قضائية عاجلة بشأن شبهات الفساد المرتبطة بملف توزيع المواد المدعمة، مبدياً استعداده لتقديم معطيات وأدلة حول من "راكموا الثروات على حساب جيوب المواطنين".
وواجهت الوزيرة فتاح العلوي، هذه الانتقادات بتأكيدها أن الحكومة لا تتنصل من مسؤولياتها، بل تعمل وفق إمكانياتها على التخفيف من الأعباء الاقتصادية التي خلفتها سنوات من الأزمات المركبة، من جائحة كوفيد-19، إلى تداعيات الحرب في أوكرانيا، وصولاً إلى التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط.
وختمت مداخلتها بالقول: "الحكومة تقوم بما بوسعها، والمغاربة يشترون وفق قدراتهم، ونحن ملتزمون بمواصلة التدخل لدعمهم".
ورغم حدة السجال بين الحكومة والمعارضة، فإن الجلسة البرلمانية أكدت وجود إجماع على ضرورة التصدي للمضاربة والاحتكار، مع الدعوة إلى تسريع وتيرة الإصلاحات الاقتصادية العميقة الكفيلة بحماية القدرة الشرائية للمواطنين، وتحقيق توازن مستدام بين الاستقرار المالي والعدالة الاجتماعية.