عطلة المغاربة بين لهيب الغلاء والضغط النفسي.. وغياب الرقابة يفاقم الأزمة

الكاتب : انس شريد

01 أغسطس 2025 - 10:00
الخط :

في وقت يُفترض فيه أن تشكل العطلة الصيفية فرصة للاسترخاء وتجديد الطاقة، يجد عدد متزايد من الأسر المغربية نفسها أمام واقع مغاير، تتحول فيه هذه الفترة إلى مصدر ضغط نفسي وإنهاك مالي.

فبين التزامات الأسرة وتكاليف الترفيه المرتفعة، يواجه المواطنون صيفًا مثقلاً بالأعباء، تزيد حدّته مظاهر المقارنة الاجتماعية التي تضخّمها منصات التواصل، وتروّج من خلالها لصورة مثالية لعطلة قد تكون بعيدة عن متناول الغالبية خاصة منها ذات الدخل المحدود والمتوسط.

ويشير مختصون في علم النفس الأسري إلى أن فترة العطلة التي يُفترض أن تكون مساحة للتقارب الأسري، تتحول في كثير من الأحيان إلى لحظة انكشاف للفوارق الاجتماعية والتوترات المكتومة، خاصة في ظل سعي بعض الأسر إلى محاكاة نماذج "الاستجمام المثالي" المنتشرة على مواقع التواصل.

هذا السعي لا يكون نابعًا من احتياج حقيقي بل من شعور بالواجب أو الخجل الاجتماعي، في سياق يهيمن عليه هوس المقارنة والتنافس الصامت حول أنماط الحياة والمظاهر. ويزيد هذا الضغط في ظل ضعف الخيارات المتاحة أمام الأسر، التي تجد نفسها بين مطرقة الغلاء وسندان التوقعات، مما يُنتج شعورًا بالإرهاق بدل الاستجمام، وبالإحباط بدل الانفراج.

على المستوى الاقتصادي، يواجه المواطنون خلال موسم الصيف صعوبات ملموسة في التوفيق بين رغبتهم في قضاء عطلة محترمة وتكاليف العيش التي تشهد ارتفاعًا متسارعًا، لاسيما في القطاع السياحي. فقد أصبحت الأسعار في الفنادق والمطاعم ووسائل الترفيه تفوق قدرة الكثير من العائلات، حتى باتت العطلة عبئًا حقيقيًا بدل أن تكون متنفسًا.

وتشير شهادات ميدانية إلى أن الإقامة في بعض الفنادق المصنفة في المدن الساحلية أو الوجهات السياحية قد تتراوح بين 1000 و5000 درهم لليلة الواحدة، دون أن يقابل ذلك تحسّن واضح في جودة الخدمات، أو تطوير في المرافق التي تستقبل السياح.

ولا تقتصر الزيادات على أسعار الإقامة، بل تمتد لتشمل مجالات أخرى مثل كراء الشقق المفروشة، التي تراوحت أسعارها هذا الصيف بين 300 و1000 درهم، في حين تعرف الشواطئ والمناطق العمومية استغلالًا واضحًا من طرف سماسرة يعمدون إلى كراء المظلات والكراسي بأسعار تعتبرها الجمعيات الحقوقية غير مبررة، حيث يصل ثمن المظلة الواحدة أحيانًا إلى 40 درهمًا في اليوم.

وتندد الجمعيات المعنية بحماية المستهلك بهذه الممارسات التي ترى فيها اعتداءً على الملكية العمومية وتجاوزًا للضوابط التنظيمية، في غياب واضح للرقابة والمساءلة.

ويحمّل عدد من الفاعلين في مجال الدفاع عن حقوق المستهلك المسؤولية للقانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، الذي لم يعد، بحسبهم، يوفّر الحماية الكافية للمواطنين في ظل غياب آليات رقابة ناجعة، خاصة خلال مواسم الذروة، حيث ترتفع الأسعار بشكل صاروخي.

ويقول أحمد بيوض، رئيس جمعية "مع المستهلكين"، في حديثه للجريدة 24 إن هناك ممارسات موسمية ممنهجة تكرَّر كل صيف، تتمثل في رفع الأسعار دون مبرر منطقي، سواء في المقاهي أو المطاعم أو المؤسسات الفندقية.

ويؤكد أن الزيادات المسجلة لا تعكس أي تحسّن في الخدمات، بل تعبّر عن جشع يسعى إلى استغلال الإقبال الموسمي لتحقيق أرباح سريعة على حساب المستهلكين.

ويشير بيوض إلى أن الاستغلال يتجاوز المألوف، حيث يشمل ممارسات مثل فرض تسعيرات عشوائية من قبل حراس السيارات أو مضاربين على الشواطئ، وهو ما يضر بحق المواطن في الاستفادة العادلة من الفضاءات العامة، ويضرب مبدأ تكافؤ الفرص في التمتع بحقوق العطلة.

ويضيف أن الأسعار الخيالية التي تفرضها بعض الفنادق المصنفة، والتي قد تصل إلى 5000 درهم في الليلة، لا تقابلها خدمات تبرّر هذه التكلفة، مستشهدًا بشكاوى متكررة من مواطنين حول رداءة الطعام، ضعف النظافة، وسوء الاستقبال.

من جانبها، سبق أن أكدت فاطمة الزهراء عمور، وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، أن الأسعار في القطاع السياحي تخضع لمبدأ حرية المنافسة وفقًا لما ينص عليه القانون.

وأوضحت في رد سابق قبل شهر في قبة البرلمان، أن ارتفاع الأسعار مردّه إلى زيادة الطلب مقارنة بالعرض خلال موسم الصيف، وهو ما يؤدي بطبيعته إلى ارتفاع التكاليف.

وأضافت أن الوزارة أطلقت عددًا من البرامج والإجراءات لتشجيع الاستثمار السياحي الداخلي، وتحسين جاذبية المنتَج المغربي، من خلال تثمين المدن العتيقة، وتوسيع البنية التحتية، وإطلاق خطوط جوية جديدة بين المدن.

وتكشف هذه المعطيات أن التحديات المرتبطة بالعطلة الصيفية في المغرب تتجاوز بعدها الترفيهي، لتلامس قضايا اقتصادية واجتماعية ونفسية مترابطة، مما يستدعي تفكيرًا أعمق في نمط تدبير هذه الفترة الموسمية، سواء من قبل الجهات المسؤولة أو الفاعلين في القطاع الخاص أو حتى على مستوى الأسر نفسها.

فبين تطلعات الراحة وضغوط الواقع، تبقى العطلة الصيفية في المغرب موسمًا يختبر فيه المواطن قدرته على الصمود أكثر مما يستعيد فيه أنفاسه.

آخر الأخبار