"جبروت".. بذر الفتنة بوصفة الإغراء بالتصديق والإغراق في الشك
سمير الحيفوفي
ماذا يكون حساب "جبروت" ؟ إنه واجهة افتراضية تصنع الوهم وتقدمه كحقيقة، عبر تقديم روايات مهلهلة، تتغيا الإثارة، لكنها تخفي وراءها أجندات تصاغ في قوالب "تسريبات"، عبارة عن جرعات من معلومات صحيحة تغري المتلقي بالتصديق، ثم تستدركه بسيل من المغالطات في سعي حثيث لإغراقه في الشك.
وبين الإغراء بالتصديق والإغراق في الشك، يبدو أسلوب "Jabaroot"، مفضوحا، بشكل ينزع عنه صفة "نشاط رقمي" ويلبسه رداء المؤامرة ويقعده كمشروع يروم بذر الفتنة وتقويض الاستقرار في بلد لطالما كان مستهدفا من الخصوم الذين يرمقونه بعيون حاسدة تترجم ما يعتمل في قلوبهم الحاقدة.
ومنذ البدء، اعتمد "جبروت" على دغدغة المشاعر والتلاعب بالعواطف، والهدف تثبيت متابعين له أولا عبر بناء ثقة يتجسد من خلال معطيات صحيحة، ومن ثمة ينتهي الأمر بزرع البلبلة من خلال تصريف مغالطات وقصص موضوعة وسيناريوهات واهية، لا يبغي من ورائها الحساب الرقمي الآثم غير ضرب الثوابت الوطنية.
ولعل الوصفة التي "جبروت"، قديمة، فالأمر يتعلق بتكتيك جديد، والخلطة لم تشذ عن ثلاثية معروفة في أدبيات الحرب النفسية فهي تقوم أولا على بناء المصداقية بنشر فتات من المعلومات الصحيحة، ثم التلاعب بالعواطف بدغدغة الغضب الشعبي والخوف على المال العام، ومن ثمة إغراق المتلقي بالمغالطات حتى يصبح التمييز بين الصحيح والمفبرك مستحيلا.
لكن ما فضح "جبروت" هو الانزلاق نحو استهداف الثوابت الوطنية للمغاربة، وقد تجاوز الحدود إلى محاولة سافرة لإقحام المؤسسة الملكية في قصص مختلقة، الزج بأسماء مسؤولين وأجهزة في روايات خيالية، ونسج سيناريوهات غامضة عن مؤامرات بغرض ضرب أركان الثقة في ثوابت الأمة.
فماذا كان رد الدولة العاقلة، ورجالاتها العقلاء؟ لقد جاء بالقانون، وفي إطاره البتار، عبر تحويل الادعاءات إلى ملف قضائي، وفضح الأراجيف المقتبسة من تقارير أجنبية قديمة، صيغت في سياقات معروفة بعدائها للمغرب بالمستندات والوقائع، وليتحول "جبروت" تحت وطأة الحقائق الدامغة إلى متهم يواجه جرائم التبليغ الكاذب والتزوير والقذف.
ومن جهتها، واجهت "المديرية العامة للأمن الوطني" الادعاءات بالقانون وقررت المضي قدما لمراجعة العدالة ضد المغرضين، بعدما تقدم موظف أمني ورد اسمه زورا في المنشورات بشكاية رسمية، مما يفضح الوجه البشع لـ"جبروت" كمشروع تضليلي يمارس نشاطا تشكيكيا ينزع إلى خلق الفتنة وهو ما يعاقب عليه القانون.
والأكيد أن أهداف "جبروت"، الذي حاول إيهام المغاربة بأن الخطر يتربص بهم من الداخل بينما الخيوط تحرك من الخارج، قد ارتدت عليه، فكما سعى إلى إضعاف الثقة في الدولة، قوى من التفاف المغاربة حول مؤسساتهم وزاد في تشبثهم بثوابتهم، وجعلهم يتراصون جميعا لدحر المغرضين.
وإذ سقط القناع عن "جبروت" الذي ظهر أنه ليس غير فصل جديد في مسرحية قديمة تتكرر على الدوام، فإن المغرب لا يزال شامخا بثوابته ومرجعياته، وسيبقى على الدوام عصيا على الاختراق، ومهما حاول أعداءه زرع الفوضى لقوا من المغاربة مزيدا من الالتفاف والاصطفاف إلى جانب الوطن وأركانه.