بين الإصلاح والاتهامات بالتعسف.. "البوانتاج" يثير عاصفة جدل داخل جماعة الدار البيضاء
دخل مجلس جماعة الدار البيضاء مرحلة جديدة من الجدل عقب شروعه، ابتداء من شتنبر الجاري، في تفعيل نظام المراقبة الإلكترونية للحضور المعروف بـ“البوانتاج”، وهو الإجراء الذي فاجأ الموظفين وأثار موجة من الانتقادات في صفوفهم، بعدما اعتُبر خطوة فوقية لم تراعِ شروط النجاح ولا مبدأ التشاور مع المعنيين.
ردود الفعل لم تتأخر، إذ أصدر المكتب النقابي لموظفي الجماعة التابع للاتحاد المغربي للشغل بياناً صريحاً وصف فيه القرار بـ“الأحادي” وبأنه يفتقر إلى المرجعية القانونية الواضحة، لاسيما أن المذكرة لم تحمل أي رقم مسلسل يتيح توثيقها إدارياً.
النقابة حذرت من أن المضي في اعتماد “البوانتاج” بصيغته الحالية سيخلق ارتباكاً قانونياً وإدارياً، ستكون له آثار مباشرة على الوضعية المهنية للموظفين.
كما اعتبرت أن غياب التجهيزات الأساسية والبنيات التحتية والوسائل اللوجستيكية الكفيلة بضمان تطبيق عادل وشفاف، يحول هذا النظام من ورشة إصلاحية إلى أداة انتقائية وتعسفية.
ودعت النقابة أيضاً إلى فتح حوار حقيقي مع الشركاء الاجتماعيين قبل أي خطوة تنفيذية، مؤكدة أن مراقبة الحضور والانضباط لا يجب أن تنفصل عن تحسين ظروف العمل وتجويد الخدمات.
وطالبت بأن يُربط أي نظام رقمي لقياس المردودية بجودة الأداء ونجاعة المرفق العمومي، بدل اختزاله في تسجيل الدخول والخروج.
القرار يعيد إلى السطح ملفاً ظل يثير جدلاً واسعاً بالدار البيضاء، ويتعلق بظاهرة “الموظفين الأشباح” الذين يستفيدون من أجورهم دون القيام بواجباتهم الوظيفية، وهو ما أنهك ميزانية الجماعة وأضعف أداء المرافق الحيوية.
وتشير معطيات متطابقة إلى أن المجلس يسعى من خلال النظام الإلكتروني الجديد إلى سد هذه الثغرة المزمنة، عبر إلزام كافة الموظفين والأعوان بالتسجيل اليومي وإثبات الحضور، مع ربط حالات الغياب غير المبررة بالإجراءات التأديبية المنصوص عليها في النظام الأساسي للوظيفة العمومية، بدءاً من التنبيه وصولاً إلى الاقتطاع من الأجر.
غير أن هذه الخطوة، التي تراهن عليها العمدة نبيلة الرميلي لإرساء قواعد الانضباط الوظيفي، تصطدم بتساؤلات حول مدى جاهزية المرافق الجماعية لاعتماد الرقمنة كوسيلة ناجعة للرقابة.
فالمقاطعات الست عشرة التي تشكل النسيج الإداري للعاصمة الاقتصادية لا تتوفر كلها على البنيات التحتية الكافية ولا على التجهيزات التقنية التي تضمن تنزيل النظام بشكل سلس وعادل.
ساكنة المدينة، التي عانت لسنوات من ضعف الخدمات الأساسية وتراجع جودة المرافق العمومية، تترقب ما إذا كان “البوانتاج” سيساهم في إنهاء معضلة الغياب المتكرر وغياب المردودية، أم أنه سيتحول بدوره إلى ورقة جديدة في سجال مفتوح بين الإدارة والموظفين.
ويرى متتبعون للشأن المحلي أن التكنولوجيا يمكن أن تكون وسيلة مساعدة على الإصلاح، لكنها لا تكفي وحدها لضمان النجاح ما لم تقترن بإرادة سياسية قوية ورؤية إصلاحية شاملة تعيد الاعتبار لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويرجح مراقبون أن الجدل الحالي قد يكون مقدمة لمعارك اجتماعية وقانونية جديدة بين النقابات والمجلس الجماعي، في وقت تتجه فيه مدن مغربية أخرى إلى تجريب أنظمة مشابهة لضبط حضور موظفيها.
وهو ما يطرح سؤالاً أوسع حول قدرة الجماعات الترابية على مواكبة رهانات الرقمنة في تدبير الموارد البشرية، ومدى إمكانية تحويل هذه الإجراءات إلى رافعة فعلية لإرساء حكامة جيدة تعزز الثقة في المرفق العمومي.