صراعات سياسية تعصف بمقاطعات الدار البيضاء وسط اتهامات بالفساد والاختلالات
تشهد مقاطعات مدينة الدار البيضاء خلال شهر شتنبر الجاري حالة من الغليان السياسي غير المسبوق، بعدما تحولت الدورات العادية لعدد من المجالس إلى ساحة صراع مفتوح بين الأغلبية والمعارضة، وسط تبادل للاتهامات والطعون في شرعية القرارات، وصل حد المطالبة بتدخل النيابة العامة لفتح تحقيقات في شبهات فساد وتجاوزات قانونية.
ويرى متابعون أن هذه الأجواء المشحونة تدخل ضمن ما أسموه “التسخينات الانتخابية” استعداداً للاستحقاقات المقبلة، حيث يتوقع أن يزداد منسوب التوتر مع اقتراب المواعيد الحاسمة.
في مقاطعة عين الشق، عاشت قاعة المركب الثقافي عبد الله كنون أجواء مشحونة خلال انعقاد الدورة العادية لشهر شتنبر، بعدما فجّر البرلماني والمستشار الجماعي عبد الحق شفيق جدلاً واسعاً باتهامه المباشر لشركة “الدار البيضاء للتنشيط والتظاهرات” المعروفة بـ“كازا إيفنت” بالضلوع في ما وصفه بعملية “تبييض أموال المال العام”.
وأكد شفيق أن الشركة تتصرف في غلاف مالي يناهز ثلاثة مليارات سنتيم مخصص لدعم الأنشطة الثقافية بالمقاطعات، موضحاً أن توزيع عشرين مليون سنتيم على كل مقاطعة يشكل تجاوزاً للقانون، لأن صرف هذه الاعتمادات من اختصاص الجماعات الترابية لا الشركات المفوضة.
واعتبر أن مهام “كازا إيفنت” ينبغي أن تقتصر على تنفيذ الاتفاقيات مقابل نسبة محددة، متهماً إياها بخدمة “أجندات سياسية وانتخابية” تحت غطاء التنشيط الثقافي.
هذه الاتهامات أثارت غضب بعض الأعضاء الذين اعتبروا تصريحات شفيق مسيئة لمؤسسة تتعامل معها جماعة الدار البيضاء منذ سنوات، بينما وجدت المعارضة فيها دليلاً على اختلالات خطيرة تستوجب محاسبة دقيقة.
أما في مقاطعة عين السبع، فقد تفجرت أزمة عميقة بين الرئيس وعدد من الأعضاء المعارضين، بلغت ذروتها خلال دورة شتنبر التي كان مقرراً أن تهم المصادقة على حساب النفقات الخاص بميزانية 2026.
وبحسب معطيات متطابقة، فوجئ المستشارون بغياب وثائق أساسية عن التداول، إلى جانب تكليف الرئيس أحد المستشارين بقراءة محضر لجنة المالية رغم أن الأغلبية تؤكد أنها لم تُدع لاجتماع هذه اللجنة ولم تتوصل بأي إشعار رسمي.
هذا الوضع دفع المعارضة إلى اتهام الرئيس بارتكاب “خروقات خطيرة” ومحاولة تمرير القرارات بعيداً عن المراقبة، لتدخل الأغلبية في اعتصام مفتوح داخل مقر المقاطعة احتجاجاً على ما وصفوه بالانفرادية في اتخاذ القرار، مع التهديد باللجوء إلى القضاء الإداري.
متابعون حذروا من أن هذا الوضع ينذر بشلل إداري ومالي قد ينعكس سلباً على مصالح السكان ويعطل مشاريع تنموية حيوية بالمنطقة.
الوضع لم يختلف كثيراً في مقاطعة سيدي بليوط، حيث تعثر انعقاد الدورة العادية لشهر شتنبر بسبب غياب النصاب القانوني، وهو ما فُسر بعمق الأزمة التي يعيشها المجلس منذ أشهر بين الرئيسة كنزة الشرايبي وعدد من الأعضاء الذين يتهمونها بالانفرادية في القرار وغياب الشفافية في التدبير.
وكان من المقرر أن تناقش الدورة مشروع حساب النفقات لسنة 2025، غير أن غياب الأعضاء حال دون ذلك، ما اضطر إلى تأجيل الجلسة وفق ما ينص عليه القانون التنظيمي للجماعات.
وفي الحي الحسني، فجرت تصريحات أحد نواب الرئيس قنبلة سياسية بعدما تحدث عن وجود “ملفات فساد” داخل المقاطعة، مطالباً بفتح تحقيق قضائي عاجل.
هذه التصريحات سرعان ما تفاعلت معها المعارضة التي وجهت بياناً للرأي العام دعت فيه النيابة العامة إلى التدخل الفوري للاستماع إلى النائب المعني والوقوف على ما لديه من أدلة ومعطيات، مع التأكيد على أن ربط المسؤولية بالمحاسبة يظل السبيل الأمثل لتعزيز الثقة في المؤسسات المحلية.
هذه الأحداث المتلاحقة التي تشهدها مقاطعات الدار البيضاء تعكس عمق الأزمات التي تعاني منها مجالس محلية يفترض أن تكون أقرب إلى هموم المواطنين، لكنها تحولت إلى فضاءات للصراع السياسي والمزايدات، على حساب المشاريع التنموية والخدمات اليومية.
ويرى مهتمون بالشأن المحلي أن استمرار هذه الأوضاع دون حلول توافقية سيؤدي إلى فقدان ثقة السكان في العمل السياسي المحلي، ويهدد بفراغ مؤسساتي يزيد من تعقيد الأوضاع في العاصمة الاقتصادية للمملكة، في وقت تحتاج فيه إلى استقرار مؤسساتي قوي قادر على تنزيل أوراشها الكبرى وتدبير مواردها المالية والبشرية بكفاءة وشفافية.