فضيحة أكادير تفجر أعطاب المستشفيات.. الأحزاب تمطر وزير الصحة بوابل من الانتقادات

الكاتب : الجريدة24

18 سبتمبر 2025 - 08:30
الخط :

تشهد وضعية القطاع الصحي في المغرب جدلاً واسعاً هذه الأيام، بعدما تفجّرت احتجاجات قوية بمدينة أكادير بسبب ما وُصف بـ”تردي الخدمات” داخل المركز الاستشفائي الجهوي الحسن الثاني، وما تبع ذلك من قرارات إعفاء لمسؤولين محليين وجهويين.

هذه الواقعة لم تكن سوى الشرارة التي أعادت إلى الواجهة النقاش البرلماني والسياسي حول هشاشة المنظومة الصحية الوطنية، وما يرافقها من خصاص في الموارد البشرية والتجهيزات الطبية، واختلالات في التدبير والحكامة.

فقد انهالت على مكتب وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي أسئلة كتابية من مختلف الفرق البرلمانية، بعضها من المعارضة وأخرى من أحزاب مشاركة في الحكومة.

ووجهت النائبة البرلمانية فريدة خنيتي عن فريق التقدم والاشتراكية سلسلة من الأسئلة حول أوضاع المستشفيات في بركان ووجدة وفجيج، مسلطة الضوء على مشاكل النقص الحاد في الأطر الطبية والتمريضية، غياب التجهيزات، وحتى نفاذ بعض اللقاحات الحيوية للأطفال، مثل لقاح "Pneumo1"، مما أثار قلقاً اجتماعياً بالغاً.

وفي السياق ذاته، طالب الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية بعقد اجتماع عاجل للجنة القطاعات الاجتماعية لمساءلة الوزير بشأن الوضع الصحي بجهة سوس ماسة، معتبراً أن المستشفى الجهوي بأكادير يعيش وضعاً “كارثياً” لم يعد مقبولاً، في ظل وصفه بـ”مستشفى الموت” من طرف المحتجين.

الفريق نفسه نبه إلى أن استمرار تأخر افتتاح المستشفى الجامعي الجديد بأكادير يضاعف معاناة الساكنة، التي تضطر إلى التنقل لمسافات طويلة نحو مدن أخرى طلباً للعلاج المتخصص.

أما فريق الأصالة والمعاصرة، المشارك في الائتلاف الحكومي، فقد وجّه بدوره انتقادات لاذعة لوزير الصحة بسبب الوضع “غير الإنساني” الذي يعيشه مستشفى الرازي للأمراض النفسية والعقلية بتيط مليل في الدار البيضاء، حيث يعاني المرضى من ضعف البنية التحتية ونقص الأطر والمعدات، في مشهد وصفه النواب بأنه “يمس كرامة المرضى وحقهم في العلاج”.

كما تتصاعد موجة القلق حول أوضاع مستشفى عبد الرحيم الهاروشي للأطفال بمدينة الدار البيضاء، بعدما تكاثرت التقارير والشهادات البرلمانية التي تكشف حجم الاختلالات العميقة التي يعاني منها هذا المرفق الصحي المرجعي، وما يترتب عنها من مخاطر مباشرة على حياة آلاف الأطفال وحديثي الولادة.

وسجلت النائبة البرلمانية نجوى ككوس، عن فريق الأصالة والمعاصرة، في سؤال كتابي موجه إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أن المصلحة استقبلت خلال الفترة ما بين 2020 و2025 ستة أطباء مقيمين فقط من أصل ستة وثلاثين منصبًا مفتوحًا في مباريات الإقامة، فيما غادر عدد من الأطباء الشباب نحو مؤسسات استشفائية أخرى نتيجة غياب بيئة عمل محفزة.

هذا العجز البشري دفع، بحسب النائبة، إلى تكليف طبيب واحد أحيانًا بمهمة الحراسة الليلية وتحمل مسؤولية استقبال الحالات المستعجلة في مدينة يتجاوز عدد سكانها سبعة ملايين نسمة، من بينهم ما يقارب مليوني طفل دون سن الخامسة عشرة، وهو ما يضع حياة العديد من المرضى على المحك ويجعل تدبير الحالات الحرجة أمرًا بالغ الصعوبة.

الاختلالات لم تتوقف عند نقص الموارد البشرية، بل امتدت إلى عجز خطير في التجهيزات الطبية. فقد سجلت النائبة ذاتها في سؤال آخر واقعة وفاة طفلة حديثة الولادة داخل قسم النساء والتوليد بالمستشفى نفسه، بعدما تعذر على عائلتها العثور على حاضنة اصطناعية تحفظ حياتها، رغم محاولات مضنية للبحث عن بدائل في القطاعين العام والخاص.

هذه الحادثة، التي وصفت بالمأساوية، أعادت إلى الواجهة تساؤلات حادة حول تدبير المستشفى ومدى التزامه بتوفير المعدات الأساسية لإنقاذ حياة الأطفال، خصوصًا في الحالات الحرجة التي تتطلب استجابة سريعة وإمكانيات تقنية متقدمة.

كما تواجه أقسام الإنعاش وضعًا لا يقل خطورة، حيث حذر النائب البرلماني إدريس الشرايبي، عن حزب التجمع الوطني للأحرار، في سؤال كتابي موجه إلى وزير الصحة، من الضغط الكبير الذي يثقل كاهل الطاقم الطبي بسبب محدودية الطاقة الاستيعابية للقسم، حيث لا يتجاوز عدد الحاضنات المخصصة للإنعاش 22 فقط، وهو رقم بعيد عن تلبية الحاجيات اليومية المتزايدة، خاصة مع استقبال المستشفى لحالات طارئة من مختلف أقاليم جهة الدار البيضاء–سطات.

وأشار الشرايبي في معرض سؤاله إلى أن هذا الخصاص يدفع العديد من الأسر، خاصة ذات الدخل المحدود، إلى التوجه نحو المصحات الخاصة وتحمل تكاليف باهظة لا تقوى عليها، ما يجعل الحق في العلاج رهين القدرة المادية ويعمّق الفوارق الاجتماعية في الولوج إلى الرعاية الصحية.

هذه الوقائع المتلاحقة أعادت إلى النقاش العمومي مسألة التوازن في توزيع البنيات الصحية المتخصصة على الصعيد الجهوي، وأثارت تساؤلات حول نجاعة الاستثمارات العمومية في قطاع حيوي كصحة الأطفال.

ولم تقتصر الانتقادات على مدن الشرق أو الجنوب أو الدار البيضاء، بل امتدت أيضاً إلى منطقة فحص أنجرة، حيث عبّرت الكتابة الإقليمية لحزب العدالة والتنمية عن استيائها من التأخر الكبير في إنجاز المستشفى الإقليمي بجماعة الحومر، رغم برمجته منذ أكثر من عقد، معتبرة أن حرمان الساكنة من هذا المشروع الحيوي يعكس غياب رؤية واضحة وإرادة سياسية لتجويد العرض الصحي.

هذه الضغوط البرلمانية والسياسية تزامنت مع احتجاجات متفرقة للمواطنين أمام عدد من المستشفيات العمومية، كان أبرزها الوقفة الأخيرة التي شهدها المركز الاستشفائي الحسن الثاني بأكادير، حيث رفع المحتجون شعارات تطالب بإنصاف المرضى وتحسين ظروف الاستقبال والعلاج.

وبات الوضع الصحي المتأزم إذن يضع وزير الصحة والحكومة ككل أمام تحدٍّ صعب. فالمغاربة يطالبون بخدمات عمومية تحفظ كرامتهم، والبرلمان يحاصر الوزير بالأسئلة والانتقادات، فيما تلوّح الاحتجاجات الاجتماعية بارتفاع منسوب الغضب الشعبي إذا لم يتم اتخاذ خطوات عملية عاجلة.

وبين وعود الإصلاح وإكراهات الواقع، يبقى السؤال مطروحاً حول قدرة الحكومة على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من قطاع يعتبر أحد أعمدة الحقوق الأساسية التي يكفلها الدستور.

آخر الأخبار