120 مليار درهم للتعليم والصحة.. الحكومة تقدم أرقامها وسط اتهامات بالتقصير
تشهد مدن مغربية عدة منذ أيام حراكا اجتماعيا متصاعدا، تقوده بشكل أساسي فئة الشباب المنتمين إلى ما يعرف بجيل "زد"، الذين خرجوا إلى الشوارع في خطوة احتجاجية غير مسبوقة، رافعين شعارات تطالب بتوفير فرص عمل تحفظ الكرامة، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، إلى جانب دعوات متكررة لمحاربة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية.
وقد بدا هذا الحراك بمثابة تعبير جماعي جديد عن تزايد الإحباط في صفوف الشباب، الذين اختاروا الاعتماد على منصات التواصل الاجتماعي لتنظيم احتجاجاتهم، في تجاوز واضح للأطر التقليدية التي طالما هيمنت على الفضاء العام من أحزاب سياسية ونقابات وجمعيات مدنية.
وتميزت الوقفات الأولى بسلميتها وحرص المشاركين فيها على التنظيم الحضاري، قبل أن يشهد المشهد تحولا في بعض المناطق نحو أعمال عنف وتخريب استهدفت ممتلكات عامة وخاصة.
فقد سجلت مدن كسلا وأيت عميرة والقليعة ووجدة ومراكش حوادث اعتداء على مؤسسات تجارية وبنكية، إلى جانب تخريب سيارات تابعة للأمن والدرك، ما أثار مخاوف كبيرة في أوساط المواطنين، ودفع السلطات الأمنية إلى إعلان حالة استنفار لتطويق الأحداث ومنع مزيد من الانفلاتات.
وفي خضم هذا التصعيد، سعى مصطفى بايتاس، الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي باسم الحكومة، إلى التأكيد على أن الإصلاحات الاجتماعية تشكل أولوية استراتيجية للحكومة، مشيرا إلى أن قطاعي التعليم والصحة يحظيان بميزانية غير مسبوقة بلغت 120 مليار درهم، أي ما يعادل 12 مليار دولار، منها 95 مليارا للتعليم و32 مليارا للصحة، مقابل أرقام أقل بكثير في السابق.
وشدد المسؤول الحكومي على أن تخصيص هذه الموارد المالية يعكس إرادة الدولة في تعزيز الخدمات الاجتماعية وتوسيع قاعدة المستفيدين، وليس في تقليصها أو التوجه نحو الخصخصة، كما يروج بعض المنتقدين.
وأوضح بايتاس أن مشروع "مدارس الريادة" يندرج في إطار رؤية شاملة لإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية، مؤكدا أن الهدف ليس مجرد حلول ترقيعية، وإنما الارتقاء بجودة التعليم العمومي ليواكب تطلعات الأسر المغربية ويضمن للمتعلمين تعليما ذا جدوى، يمكنهم من بناء مستقبلهم والمساهمة في الارتقاء الاجتماعي.
واستشهد في هذا السياق بارتفاع نسبة التمدرس في التعليم الأولي من 72 بالمئة سنة 2021 إلى 85 بالمئة سنة 2025، وفق تقارير مؤسسات وطنية مستقلة.
وفي تعليقه على الأوضاع الاجتماعية، أشار الناطق الرسمي باسم الحكومة إلى أن المغرب يعيش اليوم اختلالات واضحة على مستوى منظومة القيم، معتبرا أن المدرسة والأسرة ووسائل الإعلام والأحزاب فقدت تدريجيا أدوارها التأطيرية، ما خلق فراغا أثر سلبا على الوعي الجماعي. ودعا إلى العودة بالمدرسة لتكون فضاء مركزيا لإعادة بناء منظومة القيم وتصحيح الانحرافات التي يعرفها المجتمع.
كما عبّر بايتاس عن أسفه لغياب نقاش سياسي عميق يواكب التحولات الجارية، معتبرا أن الفضاء السياسي فقد جزءا كبيرا من حيويته بفعل تراجع الحوار الجاد وهيمنة خطاب الإثارة والهجوم الشخصي، خاصة عبر منصات التواصل الاجتماعي التي باتت تقدم محتوى يلهث وراء نسب المشاهدة على حساب جودة النقاش.
وأكد أن هذا الوضع عمّق الفجوة بين المواطن والفاعل السياسي، وكرّس أزمة ثقة واضحة بين الطرفين.
وفي ما يتعلق بالتواصل الحكومي، أقر المسؤول بوجود حاجة لتوضيح قنوات التواصل مع المواطنين، سواء عبر الناطق الرسمي باسم الحكومة أو من خلال مكاتب الاتصال داخل الوزارات.
كما دعا الوزراء إلى تحمل مسؤولياتهم في شرح السياسات العمومية المرتبطة بقطاعاتهم للرأي العام، مبرزا أن تحسين التواصل مع المواطنين يعد جزءا لا يتجزأ من تحسين الأداء الحكومي.
واختتم بايتاس تصريحاته بالتأكيد على أن معالجة التوترات الاجتماعية وتجاوز مظاهر الاحتقان تقتضي الارتقاء بمستوى النقاش السياسي والإعلامي بما يليق بتطلعات المغاربة ويخدم المصلحة العامة، بعيدا عن الشعبوية والمزايدات، في وقت يتطلع فيه المواطنون إلى حلول ملموسة تعزز العدالة الاجتماعية وتفتح أمامهم آفاقا أوسع للمشاركة في الحياة العامة.